الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / البِنية الصرْفية ودورها في كشف الدلالة القرْآَنية (4)

البِنية الصرْفية ودورها في كشف الدلالة القرْآَنية (4)

والمُعْربون يقولون في إعراب مثل ذلك: إن الفعل مرفوع، ثم يروحون يقدِّرون علامة رفعه على الحرف المحذوف، بسبب الرسم المصحفي، أو الرسم العثماني، فتراهم جعلوا رسم المصحف علة يرتكنون إليها، ويعللون بها.
والنموذج السابع، قوله تعالى:(يوم ترونها تذهل كلُّ مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد).
المعهود في لغة العرب أنه إذا كانت هناك صفة تجمع بين المؤنث والمذكر، فإن اللغة تضع التاء مع المؤنث لتفصل بين مستويَيِ الكلام، تقول:(عادل ممتاز، وفاطمة ممتازة، وهذا الطالب مؤدب، وتلك الطالبة مؤدبة، وهذا مصنع كبير، وتلك مؤسسة عملاقة) .. وهكذا.
لكن هذه الآية جاءت مخالفة لما عليه القياسُ اللغوي السابق في الظاهر، حيث جاءت كلمة مرضعة بالتاء، على الرغم من أن الرجل لا يُرضع، وليس ثمة مقارنة أو مشاركة بينهما ألبتة، فَلِمَ عدل القرآن، ووضع تاء التأنيث في موضع لا يكون فيه مفارقة بين المذكر والمؤنث، وليس من بين الصيغ التي أجيز فيها التسوية بين المؤنث والمذكر، والمرأة فقط هي التي تتمتع بهذه الصفة وحدها، ولا يشاركها فيها الرجالُ، إن مما ذكروه في هذا الموطن أن المرضع بغير تاء هي مَنْ مِنْ شأنها أن ترضع، من مِنْ شأنها الإرضاع، وإنْ لم تكن متلبسة بالرضاع الآنَ، فكلُّ فتاة وامرأة وسيدة هي مرضع، أيْ مجهزة لذلك في أيِّ لحظة، أما المرضعة بالتاء فهسي المتلبِّسة بالرضاع الآن، ووليدها على صدرها ينال حظَّه من الرضاع والحنان، والرقة والتحنان، وهو في ذلك الموضع تكون بينه وبين أمه لغة خاصة، هو يلتقم ثديها، ثم يتركه وهي تقدِّمه له عن طيب خاطر، ثم تراه مرة يضرب بأنفه فيه، ثم يلتقمه، وهي تلعب في شعره تارة وفي ظهره بيديها الناعمتين تارة أخرى، تسكب حنانها في جسده، وهو تارة يعاود وضع قدميْه الصغيرتين الناعمتين في بطنها، ويتدلل عليها، وهي تزداد لمْسا بحنانها في ظهره، وتمشي بأصابعها الحنون في شعره، ويغيبان عن الوعي في لغة حنونة رائعة، ويدخلان في شعور لا يوصف، حتى إنها لتغيبُ عن وعيها معه في أثناء لحظات رضاعه، بحيث لو قِسْتَ بترمومتر حساس جدا درجة حنانِها لحظتها لربما انفجر الترمومتر لعدم وجود درجات لديه تتحمل حنانها الرقراق، وحبها الدفَّاق، في هذه اللحظة الرائعة التي لا مثيل لها ، ولا تجد لحظاتٍ أثمن منها ، فإذا قامتِ القيامة ذهلت الأم عن وليدها هذا، الذي تداخلت معه في لغة خاصة، هي لغة الأمومة والحنان، فتتركه، وتذهل عنه، بل ربما داست على بطنه، أو على رأسه، ذاهلة عنه، وهي لا تدري: أعاقل ما داست عليه أم غير عاقل، أبنها أم غيره ؟!، حتى إنها لتظنُّه شيئا من الأشياء، لا واحدا من العقلاء، ويعبر القرآن الكريم عنه بـ (ما) التي هي لغير العاقل، من قولها:(عما أرضعت)، وليس:(عمن أرضعت)، فقد نقلنا مباشرة إلى أجواء الآخرة، وشاهدْنا عن قرب منظرا من مناظر الآخرة يُذيب العظام، ويفجِّر الأفئدة، ويُدْمِي العيون، وترتجف معه الأوصال، وتتقطع من وجله الأجساد، وما أجمل هذا الحوار الذي أجري مع فضيلة الأستاذ الدكتور فاضل صالح السامرائي، عندما سُئل عن هذه الآية، فاقرؤوه، وبعيون الفؤاد تفحَّصوه، وتهدَّؤوا في قراءته وتأمَّلوه:
سئل الدكتور فاضل السامرائي هذا السؤال في برنامج (لمسات بيانية)، وكانت هذه إجابته:
سؤال: في سورة الحج، يقول الله تعالى:(يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) الآية رقم (2) لماذا لم يقل: كل مرضع؟
الدكتور فاضل:المرضع من كان لها طفل ترضعه، لكن ليس بالضرورة الآن هي ترضعه، يكون عندنا طفل رضيع، حتى في العامية نقول: فلانة مرضع، يعني عندها طفل ترضعه، أما المرضعة فهي التي ألقمت ثديها للإرضاع حالاً.
المقدم:(تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ) يعني هي ترضعه الآن؟
الدكتور فاضل: نعم، الآن، هذه أبعد عن الذهول، المرضع قد تكون منشغلة عنه، أما المرضعة فهو الآن في حضنها ترضعه، فكيف تذهل عنه؟! هذا أمر عظيم.
المقدم: المرضع لا يستتبع أن يلتقم ثديها؟
الدكتور فاضل: لا، هي تكون مرضعا، ولكن قد تكون في مكان آخر.
المقدم: و(مرضعة) لا بد أن يكون قد التقم طفلها ووليدها ثديها؟
الدكتور فاضل: لا بد، التقم ثديها، مثل: الحائض والحائضة، الحائض يعني التي بلغت المحيض:(إن الله لا يقبل صلاة حائض إلا بخمار)، يعني بلغت، لو كان يجري دمها لا تصلي، والحائضة التي يجري دمها الآن، هذه حائضة، وأما الحائض فهي التي بلغت السنّ:(وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ ..) (الطلاق ـ 4)، والمحيض التي بلغت السنّ.
المقدم: فاعل وفاعلة، مرضع ومرضعة، التاء تغيِّر الدلالة؟
الدكتور فاضل: أحيانا تغير طبعا، هي صفات مؤنثة، امرأة حامل وحاملة، فحامل تحمل جنينا، وحاملة تحمل على ظهرها أيَّ شيء.
المقدم: الحامل خصيصا للتي تحمل جنينا في بطنها.
الدكتور فاضل: امرأة قاعد، وقاعدة، قاعد عن المحيض، وقاعدة ضد الجلوس.
المقدم: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء ..) (النور ـ 60).
الدكتور فاضل: اللاتي لا يشتغلن، جمع قاعدة.
المقدم: اللغة تفرِّق بينهم، إذن هنا المقصود بمرضعة هي التي تلقم الرضيع ثديها.
الدكتور فاضل: نعم، والمفروض أن هذه لا تذهل عن رضيعها، معناه أن الأمر عظيم، يذهل هذه المرضعة عن رضيعها المنشغلة به، وبإرضاعه.
والنموذج الثامن: قوله تعالى:(سنقرئك فلا تنسى).
الأصل في الحرف (لا) الناهية أنها تجزم ما بعدها من الأفعال المضارعة، فإذا كان المضارع معتل الآخر حُذِفَ آخره، نحو:(ولا تنسَ نصيبك من الدنيا)، ونحو:(ولا تدعُ مع الله إلها آخر)، ونحو:(ولا تقفُ ما ليس لك به علم)، ونحو:(ولا تدعُ من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك)، ونحو:(ولا تمشِ في الأرض مرحا)، وهكذا فلِمَ بقيَ حرفُ العلة في آخر المعتل هنا، ولم يحذف في قوله تعالى:(فلا تنسى) إن اعتبرنا (لا) ناهية؟!.

د. جمال عبد العزيز أحمد*

إلى الأعلى