الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (23)

مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (23)

تعرفنا في الحلقة السابقة على عدم وجود تناقض في القرآن الكريم، وان الدال على هذه الحقيقة هي فطرة الإنسان القاضية على ان كل كتاب اذا كتب فانه لا بد من ان يحوي على اخطاء أو تراكيب غير صحيحة أو على ركاكة أو على تهافت أو على ضع المعاني أو المفاهيم أو على عدم القدرة على البيان المطلوب او الصحيح أو على عدم البلاغة وهكذا .. فان ادراك مثل هذه المسائل من الامور التي يشعر بها الطبع البشري ويتعامل وفقها .
وهذا مما لا شك فيه بانه ناشئ من صميم ما ركب عليه الانسان من المعرفة الفطرية.
فالقرآن الكريم لا شك ولا ريب فيه بانه قد اعتمد الخطاب العقلي في محاوراته مع الانسان، ومن خلال هذا الخطاب تعامل مع كل الناس وتجاوز معهم الزمان والمكان والنوع.
وقد قدمنا شاهداً قرآنياً على تشجيع القرآن الكريم الانسان الى التدبر في الآيات والسور، وعرفنا ان التدبر عبارة عن النظر في العواقب.
واليوم سوف ننظر في آيات أخرى من آيات القرآن الكريم التي تخاطب الانسان كي يفتح آفاق عقله، ويجرد نفسه عن الاهواء والماديات، قال تعالى:(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت ـ 20)،
وهناك مجموعة من الآيات القرانية التي تدعو الانسان السير في الارض ولكن الهدف منها هو النظر في عاقبة المجرمين او عاقبة المشركين او عاقبة المكذبين، ولكن هنا اختلف الوضع من ارشاد القرآن الكريم الانسان الى السير في الارض للنظر في خلق الله تعالى بلحاظ المبدأ للخلق، وبلحاظ النشأة الآخرة.
ويمكن ملاحظة عدة نقاط رئيسية في الآية المباركة وهي: أولاً: السير في الارض، وثانياً: النظر، وثالثاً: كيفية مبدء الخلائق، ورابعاً: وجود نشأة آخرة، وخامساً: القدرة الالهية المطلقة.
فهذه النقاط الخمسة المهمة في هذه الآية المباركة التي تنطلق من اعمال الفكر والعقل الفطري في الانسان.
ومع النظر الى مجمل مفاد الآية، والى روحها العام الذي تتمحور حوله غير داعية الى النظر في كيفية الخلقة من جهة المادة، حتى يقال ان الانسان مخلوق من خلية او مخلوق من غيرها، بل انها ناظرة الى اصل الايجاد، وهو الامر الذي ينبغي على الانسان ان يفكر فيه، ولا ينبغي ان يشغله امر ثانوي عن التفكير في اصل النشأة والايجاد.
فالتفكير الذي يدعو القرآن الكريم الانسان بلحاظ ربط صدر الاية المباركة مع ذيلها وبلحاظ ما تقوده في وسطها من بيان جميل حول خلقة الخلائق، هو: التفكير في اصل هذه الخلقة التي احتج المعارضون على كيفية اعادة الخلائق من الموت ثانية، وكانت المعارضة موجهة الى المعتقد القرآني في كيف انه يقول ان هناك ان الاموات يرجعون الى الحياة ثانية، وهم يتحولون الى ما يتحول اليه فانه هذا في نظرهم ضرب من المستحيل.
الا ان القرآن الكريم يدعو الى التفكير الاعمق، وهو: ان الله تعالى اوجدهم من العدم، والايجاد من العدم امر بالنسبة الى تفكيرهم اصعب من الاعادة، فان الله تعالى لقدرته على كل شئ قد اوجد الانسان وسائر الخلائق من العدم، وهذا كان في بدء الخلقة للخلائق، فان اعادة الموجود الى الحياة في النشأة الاخرة لامر ايضاً مثل الاول مقدور عليه، وبناء عليه فان اعتراضهم قابل الى الزوال بمجرد الالتفاتة الى هذه البديهية العقلية التي تؤدي الى نتيجة وهي، أولاً: ان تفكيرهم المشحون ضد الفكر القراني قد افقدهم البحث الموضوعي، وثانياً: ان البحث الموضوعي هو: التفكير في اصل الايجاد، وكيفية حدوثه، فهل الممكن يمكن ان يعطي له القدرة على الحياة ام لا؟ الجواب: كلا .. اذ المخلوق محتاج الى قوة خارجية لتخرجه من عالم العدم الى الوجود، فلو كان قادراً على ايجاد نفسه لاوجدها، واذا ما اوجدها لتمكن من عدم فنائها، فالنتيجة التي تنتهي اليها هذه النقطة الثانية الى ان المخلوق محتاج الى الايجاد الى قادر على ايجاده اولاً، والى قدرته ايضاً في استمراره في الحياة، والى قدرته لاحيائه من جديد، وثالثاً: ان هذا القادر لا يمكن له ان يكون مخلوقاً والا كان محتاجاً، اذن .. لا بد وان تكون قدرته مطلقة، والتي تشمل القدرة على الايجاد، وبالتالي يقدر على اعادة المخلوق الى الحياة.
وقد صرحت الآية المباركة بان هذا الوحيد القادر على هذه العملية ليس الا الله تبارك وتعالى.
والدعوة القرآنية الى مثل التفكير، والى اعمال العقل بأدواته البديهية للنظر في هذا العالم والوجود لاجل ان يصل الى النتيجة الاساسية وهي: الاعتراف بوحدانيته في كل شئ، والتي منها الوحدانية في القدرة على الايجاد من اصله ، وعلى اعادة هذا الايجاد ثانية.
ما افاد ايضاً الى ضرورة التنبه الى وجود حياة ونشأة اخرى وعلى الانسان الاستعداد لتلك النشأة، والتي تعد هي داره الاخيرة، ومقر اقامته الدائمة، والامام علي ـ كرم الله وجهه:(من اعتبر بعقله استبان)، والامام الصادق ـ عليه السلام:(العبرة تورث ثلاثة اشياء: العلم بما يعمل، والعمل به يعلم، وعلم ما لم يعلم).
والقرآن الكريم قد سلك في محاوراته مع كل انسان مسلك الخطاب الفطري، واللغة الفطرية، فهي اللغة التي يتمكن القرآن الكريم من احياء الميت في الانسان وجعله ينبض شعوراً بما يتلو عليه من الآيات الكريمة.

هلال اللواتي

إلى الأعلى