الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (نفحة رمضانية مباركة) (26)

(نفحة رمضانية مباركة) (26)

أيها الصائمون والصائمات: إن النفس تكون تارة أمارة وتارة لوامة وتارة مطمئنة، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا وها هنا موضع مجاهدة النفس وتزكيتها فمجاهدة النفس تعني أن تنقل نفسك من سجن النفس الأمارة إلى درجة النفس اللوامة ثم إلى نقاء وطهارة النفس المطمئنة.
والثبات على ذلك، وحتى تعرف أين موقع نفسك أمام هذه الدرجات وأين يقف المؤشر فأنظر إلى الصفة الغالبة، فإذا عفت موقع نفسك ودرجتها انتقلت إلى الخطوة الثانية: وهي الاعتراف بالعيوب والتعرف عليها، فإن اعتراف الإنسان أن به عيوباً خطوة هامة في طريق الإصلاح لأن الإعراض عن معرفة العيوب هو ضعف ونقص وفقدان للشجاعة في مواجهة النفس .
ولقد كان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ المبشر بالجنة يقول: رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي، وكان يذهب إلى حذيفة ويسأله: هل سماني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في المنافقين؟.
وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، وقال إبراهيم التيمي:(ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذباً)، وعن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ أنه قال:(لأن أستيقن أن الله تقبل لي صلاة واحدة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول:(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة ـ 27).
وكان أحد تلاميذ سفيان الثوري يدعو الله عز وجل ويقول: اللهم عرفني نفسي، وقال محمد بن كعب القرطي: إذا أراد الله بعبد خيراً جعل فيه ثلاث خصال: فقها في الدين، وزهادة في الدنيا، وبصرا بعيوبه.
هذا وإن من أهم الوسائل التي تعين على معرفة عيوب النفس:
1 ـ العلم: فنظرك في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) يوقفك على أمراض النفس ويشخصها لك ويبين لك الصفات الذميمة وكيف تتجنبها وتعالجها، هذا فضلا عن ذكر الصفات الطيبة للنفس للتحلي بها.
وكان شميط بن عجلان يقول: إن المؤمن اتخذ كتاب الله عز وجل مرآة فمرة ينظر إلى ما نعت الله عز وجل به المؤمنين، ومرة ينظر إلى ما نعت الله عز وجل به المغترين.
2 ـ الأخ الناصح الشفيق: الذي يبصرك بعيوبك ويرى أن ذلك واجباً عليه عملا بقوله (صلى الله عليه وسلم):(الدين النصيحة)، قالميمون بن مهران: قل لي في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكرهه، وقال محمد بن واسع: ما آسي على الدنيا إلا على ثلاثة: صاحب إذا اعوججت قومني، وصلاة في جماعة يحمل عني سهوها وأفوز بفضلها، وقوت من الدنيا ليس لأحد فيه منة ولا لله عز وجل فيه تبعة، وكان سفيان الثوري يقول: أدركنا الناس وهم يحبون من قال لأحدهم: اتق الله تعالى وقد صاروا اليوم يتكدرون من ذلك.
3 ـ أعداؤك وخصومك فإنهم يتلمسون دائما معايبك.
4 ـ معرفة ما تنتقد من الناس من المكاسب والمعايب، واجتهادك ألا تقع فيها.
والخطوة الثالثة: لإصلاح النفس مجاهدة الصفات الذميمة في النفس، والصفات الذميمة التي في النفس كثيرة مثل الحقد، الحسد، البخل، التكبر عن قبول الحق، الخيانة، الرياء، احتقار الآخرين لميزة يراها الإنسان في نفسه لعلم أو مال أو جاه، الاغترار بالرأي الشخصي ـ خير منه ـ فلابد من مجاهدة وتطهيرها من هذه الأمراض حتى تزكوا، قال أحد العارفين:(فكذلك النفس والأعمال لا تزكو حتى يزال عنها ما يناقضها، ولا يكون الرجل متزكيا إلا مع ترك الشر، فإنه يدنس النفس ويدسيها).
قال محمد بن المنكدر: كابدتُ نفسي أربعين سنة حتى استقامت، وقال أحد السف: ما زلت أسوق نفسي إلى الله تعالى وهي تبكي، حتى سقتها وهي تضحك، وقال ابن الجوزي:(المؤمن العاقل لا يترك لجامها ولا يهمل مقودها، بل يرخي لها في وقت والزمام بيده فما دامت على الجادة فلا يضايقها بالتضييق عليها، فإذا رآها مالت ردها بلطف، فإن ونت وأبت فبالعنف).
قال أحدهم: وما زلت أغلب نفسي تارة وتغلبني تارة، فخلوت يوماً بنفسي فقلت لها: ويحك اسمعي أحدثك إن جمعت شيئا من وجه فيه شبهة أفأنت على يقين من إنفاقه؟ قالت: لا قلت لها: فالمحنة عند الموت أن يحظى به غيرك ولا تنالين إلا الكدر العاجل والوزر، ويحك اتركي هذا الذي يمنع الورع لأجل الله أَوَمَا سمعت أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.
والخطوة الرابعة في تزكية النفس: هي تنمية الصفات الطيبة ورعايتها حتى يكون لها الغلبة، وذلك مثل صفات الحلم والكرم والتواضع، ولا يكفي لتنمية تلك الصفات ورعايتها في نفسك أن تقرأ فيها كتابا أو تحفظ في فضلها نصوصاً وأشعاراً، ولكن تحصيل تلك الصفات لابد له من مجاهدة وتمرن وتدريب.
ومثال ذلك من أراد أن يكون حليماً فهذا ينبغي له أن يقو إيمانه ويزيد صبره ويكظم غيظه ويملك نفسه في مواقف الغضب، قال (صلى الله عليه وسلم): (إنما الحلم بالتحلم).
والصبر إذا تكلفته وتمرنت عليه اكتسبته وكما قالوا: المزاولات تعطي الملكات، ومعنى هذا أن من يزاول شيئاً واعتاده وتمرن عليه صار ملكة وسجية وطبيعة ولا يزال العبد يتكلف الحلم والصبر والصدق حتى تصير له أخلاقاً.
قال أحد السلف ما مختصره: تأملت عجباً وهو أن كل شيء مطلبه غالي يطول سعيه ويكثر الطلب في تحصيله وكذلك الشرف والجود والشجاعة والزهد، ولولا ما عانى يوسف ـ عليه السلام ـ ما قيل له أيها الصديق.
والخطوة الخامسة: محاسبة النفس، والمحاسبة هي التمييز بين ما لك وما عليك قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد)، فأمر سبحانه العبد أن ينظر فيما قدم لغد وذلك يتضمن محاسبة نفسه على ذلك والنظر هل يصلح ما قدمه من عمل أن يلقى الله به أو لا يصلح.
قال الحسن البصري:المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله وإنما خفّ الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شقّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، ثم قال: المؤمن يفجأه الشيء يعجبه فيقول والله إنك تعجبني وإنك من حاجتي ولكن هيهات! حيل بيني وبينك! ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول ماذا أردتِ بهذا؟!.
ومحاسبة النفس نوعان، أولاً: محاسبة قبل العمل، وهو أن تقف عند أول همك بالعمل وتنظر أهو لله أم لا؟ أهو موافق للشرع أم لا؟، قال الحسن: رحم الله عبدا وقف عند همه فإن كان لله أمضاه وإن كان لغيره تأخر، أما النوع الثاني في محاسبة النفس فهو بعد العمل محاسبتها على طاعة قصرت فيها، ومحاسبتها على معصية ارتكبتها ثم يحاسبها بما تكلمت به أو مشت رجلاه أو بطشت يداه أو سمعت أذناه، ماذا أرادت بذلك وكم فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ قال تعالى:(فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون)، وقال تعالى:(ليسأل الصادقين عن صدقهم) قال أحد السلف: فإذا سأل الله الصادقين فما بالك بالكاذبين.
وفي الختام ينبغي لمن يرجو زكاة نفسه وإصلاحها أن يستعين بالله عز وجل دائما ويدعوه فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول في خطبة الحاجة:(الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من سيئات أنفسنا)، وكان (صلى الله عليه وسلم) يسأل الله عز وجل أن يعيذه من جميع الصفات الذميمة، فكان يقول في أذكار الصباح والمساء:(رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر)، (اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه) وكان يقول:(اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل).

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى