السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الاعجاز في الميراث الاسلامي (2)

الاعجاز في الميراث الاسلامي (2)

عزيزي القارئ: القرآن هو مصدر التشريع الأول في الإسلام, ولقد احتوى على تشريعات حكيمة وأحكام قويمة تقي الإنسان من التخبط في حياته, رحمة من الله وفضلاً منه على هذا اٌنسان, وتحقيقاً لسعادته في الدنيا والأخرى.
تكلمنا فيما سبق عن المقاييس التي توازِن الميراث الإسلامي, وهي ثلاثة، فالأول: توزيع ثروة الميت في الميراث الإسلامي بشكل عادل ومتكامل وتوضيحه: هبْ أن ميتاً هلك وورثه ابناءه وبناته, فإن بناته سيورثهن ابناءهن, وهم لا ينتسبون للميت الأول, وبمعنى آخر ينتقل جزء من ماله إليهم, ثم هب أن الميت ورثه أبواه, فإن هؤلاء الأبوين سيورثهما ابناءهما وهما حواشي الميت الأول, مما يعنى أن جزء من ماله انتقل إلى حواشيه وابنائهم.
والثاني: مراعاة قوة القرابة ويكون بثلاثة أمور: أولاً: مراعاة الأقرب جهة فقدم البنوة ثم الأبوة ثم الأخوة, ثانياً: تقديم الأقرب درجة فقدم الابن على ابن الابن, ثالثاً: الأقوى قرابة فقدم الشقيق على الأبوي والأموي.
والمقياس الثاني هو: العبء المالي على الوارث, أعطى الأنثى نصف نصيب الذكر العاصب لها, لأنها لا تتحمل النفقة والمهر والإعالة كالذكر.
اما المقياس الثالث فهو تقديم القرابة المستقبلة على الحياة عن القرابة المدبر عن الحياة, ويتمثل في تقديم البنوة على الأبوة, من إن المنطق تقديم الأبوة لأن حق الوالدين أعظم عند الله من حق الابناء, لكن لما كان الوالدين مدبرين عن الحياة كان حاجتهما للمال أقل من حاجة الابناء, وعلى صعيد آخر فإن الأب إذا مات انتقل إرثه إلى بنيه وهم أخوان الميت الأول, بينما لو مات ابن الميت الأول انتقل اثرهم إلى ابناء ابنائه, وهم أولى من انتقاله إلى الحواشي وأبناء الحواشي، ومن اعجاز الميراث الإسلامي أن منع الإرث للقاتل من مقتوله, ولو كان خطأ سداً لذريعة القتل.
مثال على إعجاز الميراث الإسلامي:
كل أحكام الميراث شواهد على الإعجاز, ويكفينا شاهد واحد يحكي ذلك الاعجاز, فالمثال التالي يحكي ميراث أخت لأب وأخ لأب من أختهما المتوفاة, في ثلاثة حالات, مع العلم أنهما ليس بينها وبين باقي الورثة أية قرابة نسب.
يلاحظ أن الأخ لأب عاصب ولا يرث شيئاً لتغطية أصحاب الفروض لكل الميراث, وهو يستطيع تحمل العمل لجلب المال بعكس المرأة.
وفي حالة ثانية: أخت لأب وحيدة, ليس معها عاصب ولذا ترث بالفرض وهو النصف, لحاجة للمال في النفقة عليها وتدبير شؤونها.
وفي حالة ثالثة: أخت لأب لا ترث شيئاً لأن لا يوجد باق من الميراث لهما, و بما أن الأخ لأب قد يساعد أخته في اعالتها, فهي إذاً لا تحتاج للمال الموروث.
نرى هنا المقياس في توزيع الميراث للأخت الأبوية, هو حاجتها إلى المال من عدمه في تغطية وضعها الاجتماعي, مما يقتضي استحقاقها للميراث أم لا.
إن هذا الميراث لا يمكن أن يتأتى من قبل البشر, لأن طبع البشر النقص, والنقص لا يشرع الا الناقص, ولما كان هذا الميراث ليس به نقصان بل حاز الكمال, وجب صدوره من عند الواحد الأحد ذي الجلال والإكرام, وأن السفر الذي حمله وجاء به هو كتاب معجز من عند الله سبحانه وتعالى.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى