الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (109)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد: فـإن إرادة الله العـلـيم الحـكيـم تجـري وفـق عـلمه وحـكـمته، وقـد تمـر بالإنسان مـواقـف يظـن أنها ليـست لصالحـه، ثـم يتـبين لـه أنها لـصالحه، فلله في كل حـركـة حـكـمة وإن خـفـيت عـلى الإنسان الـذي لا يعـلـم إلا ظـواهـرها
والمثـل يـقـول:(خـيرة المـولى لـعـبـده خير مـن خـيرة العـبـد لنفـسـه).
خـيرة المـولى لعـبـده: يحكى أن أحـد الطـلاب، الـذين يـدرسـون الطــب، ركـب سـيارة أجـرة عـازماً عـلى السـفـر إلى إحـدى المنـاطـق، فـجـاء رجـل فـظ غـليـظ القـلـب، رجـــل متـوحـش غـير مـعـقـول، فـفـتـح الباب بشـدة وتكـبر، بـدلاً مـن أن يـقـول لهـذا الطـالب اسـمح لي بهـذا المـقـعـد، وهـذا الطـالـب حـجـمه صـغــير، فـحـمله ووضـعـه عـلى الأرض، فـركـب الـرجـل الفـظ الغـلـيظ القـلـب في مـكانه.
فـقال هـذا الطـالـب: لـقـد امـتلأت غـيـظـاً إلى حـد كـبير وغــير معـقـول، ومـضـت سـاعـة ونصـف حتى تمكـنـت مـن ركـوب ســيارة أخـرى، وعـنـد إحـدى القـرى وجـدت السـيارة التي أنـزلـني ذلك الـرجـل الـمـتـوحـش قـد تـدهـورت، وفـيـها أربـعـة قـتلى مـن ركـابهـا الخـمسة، والناس حـولها متـجـمعــون، وقـد كـنت أحـد الـركاب لـتـلك السيارة التي أرغـمـت عـلى الـنـزول منها.
مـن الـذي منـع الطـالـب عـلى الـنـزول مـنها؟، إنـهـا العـناية الـربانية، وما كان ذلك الـرجــل الـمتـوحـش إلا سـبباً، ولـكـن الحـافـظ والـمانع هـو الله وحـده، قال الله تعـالى:( .. وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقـرة ـ 216).
قـد تجـد ابناً نشـأ بالنعـيـم، والأب غـني ومتساهـل مـرن فـيعـطي ابنه ما يشتهي، وأحـياناً ينشأ ابن يتـيـم في حـرمان وفـقـر، ولـه أم حـازمة مـربية ودخـلهـم قـليـل، فـتحـرضـه عـلى الـدراسة، لا تـنـيـمه اللـيـل مـن أجـله، ولا تـزال تحـثه عـلى العـلـم وليـس في الـبيـت مغـريات أو ملهـيات ولا مـاديات، فـحـسـب الـظـاهـر أن الأول الـمـدلـل وابن أسـرة غـنـية، يـأكل ما يشتهي ويـذهـب إلى حـيـث يشتهي ويـريـد، والثاني طـفـل يـتيـم ومحـروم.
لكـن بعـد حـين تـرى أنه شـتان بين الاثـنـين، الـيـتيـم في تألـق كـبـير ورفـعـة، والآخـر في شـقـاء وتـراجـع، فالـيتـم والحـرمان مـع الأم الحـازمـة الـمـربيـة، دفـعـته إلى أن يـبني نفـسه بـناء صحـيحاً، إذ غـرسـت فـيه القـيم الأخـلاقـية، فأصبح إنـساناً عـظـيـماً بهـذه النـشأة المـتقـشـفة.
وأمـا الطـفـل الـذي نـشأ في رخـاء منـقـطـع النـظـير، يـنام في غـرفـة خـاصـة فـيها كل ما تشتهي النـفـس، كـما حـوت الغـرفـة كل الألـعـاب، وقـد يشحـن أبـوه سـيارته مـن هـنا وهـناك ليسـتمـتـع بها في المصايـف والمنـتزهـات، دون أن يكـلـف نفـسه عـناء قـيادتها ومتـاعـب السـفـر.
فهـناك شـاب يعـيـش حـياة خـيالية، يحـمـل أجهـزة نادرة ثـمنها الآلاف، ولـه هـاتـفـان أو أكـثر وسـيـارتان أو أكـثـر، وشـاب نشـأ في أسـرة فـقـيرة، ولـكـن الـفـارق في الـتربية عـلى القـيم والأخـلاق، تجـد الـذي نـشأ في الأسـرة الفـقـيرة إنـسانا عـظـيـما ناجـحا، والـمـدلـل خائـباً خـاسـراً حـزيـناً، لـذلك لـو كـشـف لـنـا الغــطـاء لا خـتـرنا الـواقــع.
ذكـاء امـرأة وفـطـنة أمـير: يحـكى أن امـرأة دخـلـت عـلى أمـير الـمـؤمنين هـارون الـرشـيـد، وكان جالساً وعـنـد جـماعـة مـن وجـوه أصحابه، فاسـتأذنت امـرأة في الدخـول عـليه فـأذن لها، ولـما دخـلت قالـت:(يا أمـير الـمـؤمـنين: أقـر الله عـيـنـك، وفـرحـك بما آتاك وأتـم سـعـدك، لـقـد حـكـمـت فـقـسـطــت)، فـقال لها:(مـن تكـونيـن أيتـها الـمـرأة؟) فـقالـت:(مـن آل بـرمـك، ممـن قــلـت رجـالهـم، وأخـذت أمـوالهـم، وسـلـبت نـوالهـم وأهـنـت كـرامتهـم)، فـقال:(أما الـرجـال فـقـد مضـى فـيهـم أمـر الله ونـفـذ فـيهـم قــدره، وأما الـمال فـمـردود إلـيـك)، ثـم الـتفـت إلى الحـاضـرين مـن أصحابه، فـقال: أتــدرون ما قـالـت هـذه الـمـرأة؟ فـقالـوا: ما نـراها قالـت إلا خـيراً، فـقال: ما أظـنـكـم فـهـمـتـم قـصـدهـا ولا فـطـنـتم إلى ما تـرمي مـن كـلامهـا، فـقال: أما قـولها أقـر الله عـيـنـك، أي: أسـكـنها عـن الحـركة وإذا سـكـنـت عـن الحـركة عـمـيـت، وأما قـولهـا: وأتـم الله سـعـدك فإنما أخـذته مـن قـول الشـاعـر:
إذا تـم أمـر بـدا نقـصته
تـرقـب زوالا إذا قـيـل تـم
وأما قـولها: لـقـد حـكـمـت فـقـسـطـت، فأخـذته مـن قـوله تعـالى:(وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) (الجـن ـ 15)، فـتعـجـبـوا مـن ذكاء المـرأة ومـن فـطـنـة أمـير الـمـؤمنين هـارون الـرشـيـد.
شــهـادة الأقـران للأقـران: يـروى أن يهـودياً دخـل عـلى أمـير الـمـؤمنين عــمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ يشـكـو الإمام عـلي بن أبي طـالب ـ كـرّم الله وجـهه ـ فـقال أمـير الـمـؤمنين عـمـر: قـم يا أبا الحـسن فـقـف إلى جـنـب الـرجــل، فأصـبح الإمام عـلي خـصـما في قاعـة القـضاء، وهـو مـن الـمـقـربين لعـمـر بن الخـطاب، فــوقـف وتغـير وجـه الإمام عـلي، فـلـما حـكـم لـه وانصـرف اليهـودي، قال لـه أمـير الـمـؤمنين: أوجـدت عـلي يا أبا الحـسن؟ فـقال الإمام عـلي: نعـم، يا أمـير الـمـؤمنيـن فـقال عـمـر: لـم؟، فـقال الإمام عـلي: لأنـك قـلـت لي يا أبا الحـسن ولـم تـقـل لي يا عـلي.
لـقـد مـيزتـني عـليه فـلـم لـم تـقـل لي : قـم يا عـلي فـقـف إلى جـانـب الـرجـل، وإنـما قـلـت لي: قـم يا أبا الحـسن؟ فـقام عـمـر بن الخـطاب فـقـبـل راس الإمام عـلي وقال: لا أبـقاني الله بأرض ليس فـيها أبـو الحـسـن، بهـذا قامـت السـمـوات والأرض، نعـم قامـت بالعـدل.
قال الله تعـالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (المائـدة ـ 105)، الأصـل أن الـمـؤمـن يجـب عـليه أن يأمـر بالمعـروف وينهى عـن المـنـكـر، الأصـل أن يحـمـل الـمـؤمـن هـمـوم المسلـمـين ، ولـكـن قـبـل أن يأمـر بالـمـعــروف، وينهى عـن الـمـنـكـر، وقـبـل أن يحـمـل هـمـوم المسلـمـين ، عـليه أن يـعـتـني بنفـسه، عـليه أن يهـذبهـا، عـليه أن يحـمـلها عـلى طـاعـة الله ،عـليه أن يـرقى بنـفـسه، عـنـدئـذ يكـفـيه الله ما يـمـلك، عـليه أن يـقـيـم أمـر الله فـيما يمـلك، يكـفـه الله ما لا يـمـلك.
يقال أوتي الحـجاج بن يـوسـف الثـقـفي بـرجـل مـن أصحاب الأشـعـث الكـنـدي، فقال للحـجاج : أسـألـك أن تقـتلـني وتخـلصـني ، فـقال الحجـاج: لـم؟، قال الـرجـل: لأني أرى في المـنـام كـلما نـمـت أنـك تقـتلـني، وقـتلة واحـدة تخـلصن أهـون عـلي مـن ذلـك ، ضـحـك الحـجاج وخـلى سـبيله.
عـمـر بن عـبـد العـزيـز: لـو جـاءت كل أمـة بمـنا فـقـيها وجـئـنا بالحجاج بن يـوسف فـضـلناهـم وغـلـبناهـم.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى