الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث البريطاني

في الحدث البريطاني

عبداللطيف مهنا

ستجد أوروبا حلولًا مؤقتة لمواصلة اتحادها غير المطمئنة لمستقبله. وقد يسهل عليها ذلك بدون بريطانيا، وحيث تقوى فيه القبضة الألمانية، لكنما الحدث بذاته هو لصالح روسيا، التي تزحف الأطلسة نحوها وتحاول الالتفاف على أسيجتها، ونقطة في غير صالح الهيمنة الأميركية على القارة وحتى على العالم، ولا يعدم خسارةً ما للكيان الصهيوني، لجهة ما قد يتسبب من ركود اقتصادي.

نعم، إنه حدث تاريخي بكل ما تعنيه الكلمة. هو كذلك وبصرف النظر عن الزاوية التي يتم منها رؤية تاريخيته، وسلبًا أم إيجابًا. كما ويصدق أيضًا وصفه بالزلزال، لأن دويه وارتداداته وتداعياتهما ستلازم إلى حين غير منظور القارة العجوز المرتبكة، والجزر البريطانية المتخبطة، هذه التي شأنها الأبدي أنها لم تسحب يوما قدمها من القارة، ولكنها دومًا تحتفظ بالأخرى خارجها، حتى في عز اتحادها معها. ولن يقتصر الأمر عليهما، ستتجاوز غيوم هذا الحدث الفضاء الأوروبي الملبَّد لتنداح فلا تستثني، بنسبة أو أخرى، بقعة ما في عالم تشد وثاقه العولمة لتُلحقه شاء أم أبى بالمركزية الغربية الهرمة المتراجعة، تلكم الطافحة عادة بشرورها والضنينة ديدنًا بخيِّرها.
عشية الاستفتاء، الذي نظَّمته رعونة ديفيد كاميرون بدوافع لا تخلو من حسابات انتخابية، اكتشف البريطانيون أنهم قد انقسموا نصفين وباتوا قاب قوسين أو أدنى من التجزئة التي فرضوها يومًا على الوطن العربي. نصفهم مع زيادة طفيفة مع الخروج من الاتحاد الأوروبي، والنصف الآخر الذي يقل عنه قليلًا مع البقاء فيه. بيد أن الأخطر في هذا الانقسام أنه عُمْري، المسنّْون مع الخروج والشباب مع البقاء، وليس هذا فحسب، بل إن الفريق الأول ريفي في أغلبه، والثاني نخبوي ومدني، أي أنه مجتمعي بامتياز، لكنما الأخطر منه ما كان على الصعد القومية، فاسكتلندا ذات الهوى الانفصالي تعارض مغادرة الاتحاد وقد يجد انفصاليوها فرصتهم السانحة لمغادرة المملكة التي لم تعد متحدة، وهذا حال شمال أيرلندا أيضًا، أما إنجلترا وويلز فكانتا مع مغادرته. هذا يعني أن بريطانيا قد تضمر لتصبح مجرَّد إنجلترا، وكما يقولون، وقع الفأس على الرأس، وبوادر الندم التي بدت تغزو بلاد الضباب، والتي تتزايد بتزايد وتسارع الارتدادات الاقتصادية والمالية قد جاءت متأخرة ولا من ضامن لجبر ما انكسر، أو يصعب تخيُّله ولو تكاثر ملايين الموقعين على عرائض المطالبة بإعادة الاستفتاء.
عشية الاستفتاء وبعيد ظهور نتيجته بدت أوروبا فزعة ومُربكة ويتنازعها ثكل لا يكتم غيظًا، وكلاهما يتوازى مع حالة سيولة تصب في مجرى محاولات امتصاص ترددات الزلزال البريطاني والحفاظ على تماسك الاتحاد، ويردفهما توجُّه حازم يجزم بضرورة سرعة تجاوز الحدث بالدفع باتجاه سرعة إتمام طقوس الطلاق، مع نية لم تعد خفية بوجوب معاقبة المُطلَّقة كتحذير مسبق يردع من توسل له نفسه الاحتذاء بها.
قيل وسيقال ما هو أكثر منه حول مسببات الحدث وحسابات الربح والخسارة لكل من صانعيه البريطانيين ومتلقي ارتداداته ومحاصريها الأوروبيين، ولأن المسألة مركَّبة ولا ينقصها التعقيد، فإن جملة مما قيل حتى الآن، ومن زواياه المختلفة، كثيرة لا تجافيها الحقيقة رغم سيولة الحدث وتناقضات الرؤى، والمهم أن قاسمها المشترك هو كونها حصيلةً لعولمة طاغية ونيوليبرالية متوحِّشة جعلتا من هذا الاتحاد… هذا الذي ما كان أصلًا إلا لأن أوروبا التي تعبت من حروبها المستدامة والمتوَّجة بحربين كونيتين مدمرتين لم تبقيا ولم تذرا، والهاربة من جرائر كونها البيئةً المُفرِّخة لأعتى فلسفات الكراهية والتعصُّب، كالفاشية والنازية والصهيونية، يضاف إليه سائر مواريثها الحاضة على تواريخها الدموية، قد لجأت إلى اتحادها بديلًا محمودًا يصونه تبادل المنافع ويحميه خوفها من عودتها لتاريخها الأسود… جعلتا من هذا الاتحاد، أشبه ما يكون باتحاد للشركات والمصارف العملاقة النهمة، بمعنى أن الأوروبي العادي وجد نفسه قد هرب من بلاء الشوفينية إلى إسار الجشع، وزاد الطين بلةً تراجع الاقتصاد الأوروبي عمومًا، والفرض التعسفي لسياسات التقشُّف، ورفع سن التقاعد، وصعود اليمين، ومعه التنامي التلقائي للعنصرية الكامنة والتي بذرتها لا تفارق منابتها، لا سيما وقد وجدت في تدفُّق اللاجئين، وهيستيريا الخوف من الآخر، ما يغذي مثل هذا التنامي… يلاحظ مثلًا أن عواجيز بريطانيا، أي الذين نشأوا في ظل امبراطورية بادت وأورثتهم حنينًا إلى ماضٍ استعماري غابر، هم أكثر من صوَّتوا لصالح الخروج من الاتحاد.
ستجد أوروبا حلولًا مؤقتة لمواصلة اتحادها غير المطمئنة لمستقبله. وقد يسهل عليها ذلك بدون بريطانيا، وحيث تقوى فيه القبضة الألمانية، لكنما الحدث بذاته هو لصالح روسيا، التي تزحف الأطلسة نحوها وتحاول الالتفاف على أسيجتها، ونقطة في غير صالح الهيمنة الأميركية على القارة وحتى على العالم، ولا يعدم خسارةً ما للكيان الصهيوني، لجهة ما قد يتسبب من ركود اقتصادي، إذ المعروف أن 44% من تجارته هي مع الاتحاد الأوروبي، وصادراته لبريطانيا العام الماضي قد بلغت الأربعة مليارات، والأهم هو أن خروجها من الاتحاد تعني خسارته لمصطنعته وحاضنته الأولى ثم داعمته والمنحازة دوما إليه، والتي شكَّلت داخل هذا الاتحاد مصدًّا دائمًا لأي مبادرة لا يرضى عنها هذا الكيان… حاول كاميرون إقناع يهود بلاده بالتصويت للبقاء في الاتحاد باعتبار ذلك مصلحةً لإسرائيلهم.
…كعرب، عهدنا بالمملكة المتحدة حرصها على أن لا تكتفي بما فعلته بنا في الحقبة الاستعمارية المباشرة، ومنه تقسيم الوطن العربي، الذي يعيش تداعيات فعلتها إلى يومنا هذا، ولا بكونها صاحبة وعد بلفور، و…، و…، وصولًا إلى العدوان الثلاثي، بل المشاركة في كافة الحروب اللاحقة على الأمة، في العراق، وليبيا، وسوريا، وعليه، يحق لنا اليوم أن لا نجد غضاضةً في القول، إنها إن ضمرت وغدت قريبا إنجلترا لا بريطانيا، ففي ذلك ما قد يعني الأفضل للعالم وربما الأقل إيذاءً لنا…

إلى الأعلى