الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : العيد وأطفال إفريقيا البؤساء

في الحدث : العيد وأطفال إفريقيا البؤساء

طارق أشقر

أيام معدودات ويقبل عيد الفطر لتبتل العروق على أثر الاستمتاع بالماء البارد الزلال منسابًا على الحلوق أينما عاشت الشعوب الإسلامية آمنة مستقرة، بينما أرتال أخرى من بني البشر في مواقع أخرى مضطربة في العالم، خصوصا في إفريقيا التي لم تحظَ صراعاتها بما يكفي من اهتمام الرأي العام العالمي بها، تتجرع حلوقهم غصة الألم والحسرة على ما يعيشه أطفالهم من بؤس وعدم إدراك بمعنى الفرحة.
وفيما يغرد الأطفال كالعصافير فرحا بالعيد في العديد من أرجاء الدنيا المستقرة متنقلين بين الحدائق العامة والمتنزهات المخصصة لإسعادهم وفي أيديهم أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا التواصل المحملة ببرامج الألعاب بمختلف أنواعها، يعيش في أيام العيد نفسها في إفريقيا أطفال يعتبر مجرد الإحساس بأنهم أحياء أعظم عيد لهم.
ففي أجزاء متفرقة من الشمال الإفريقي، وعلى سبيل المثال لا الحصر يعيش أطفال مدينة سرت الليبية في هلع وخوف يفقدهم فرحة الاستعداد للاحتفال بعيد الفطر السعيد، وهم يرفعون الأكف ضراعة بأن ينجوا من تداعيات حرب الشوارع في مدينتهم التي أصبحت مرتعا لإرهاب عناصر “داعش” التي تصول وتجول في المدينة، ما أجبر قوات حكومية بأن تقود حرب شوارع في المدينة ضد تلك العناصر، فكيف يتعايش الفرح مع رائحة الموت؟
وبالاتجاه غربا في القارة السمراء، يأخذ العيد شكلا آخر مختلفا عن ما يعرفه الأطفال من حرية وانطلاق في الأزقة والطرقات، بينما يتوارى الأطفال في غرب إفريقيا مندسين من جماعة بوكو حرام التي نصبت نفسها عدوًّا معلنا لمحاربة التعليم والتنوير والفرح المطلق، لتهدم المدارس التي ترى فيها خروجا عن الدين وفق منهجها واسمها (بوكو حرام) الذي يعني حسب اللهجة المحلية بأن (التعليم الغربي حرام)، فلا ينتهي دورها بإغلاق المدارس، بل يمتد لخطف الأطفال واغتصابهم، خصوصا الإناث منهم .. فأين فرحة العيد من هؤلاء البؤساء؟
وفيما يدور الأطفال مرحين في كافة الاتجاهات احتفالا بقدوم العيد ليكتشفوا حلاوة الإحساس بالدوار وهم يضحكون ويتشبثون ببعضهم البعض أثناء اللعب، وهم لا يدرون أن أي اتجاه من الاتجاهات الجغرافية في إفريقيا يوجد فيه جمع من الأطفال يتجرعون الحرمان، ففي الشرق الإفريقي يتحسس الطفل الأرض مئات المرات قبل أن يطأ بقدمه في العاصمة الصومالية مقديشو قنبلة مدفونة في مكان ما وهو يحاول التسوق لشراء بعض ما قد يدخل السرور في نفسه أيام العيد وبلاده ما زالت تعيش أسى الانفجار الذي أودى بحياة سبعة عشر مدنيا الخميس الماضي جنوب غرب مقديشو العاصمة.. فكيف يعرف السرور طريقه إلى قلوب هؤلاء؟
وفي وسط غرب إفريقيا، وتحديدا في كينشاسا عاصمة جمهورية الكونجو يعيش الأطفال رعبا آخر من نوعه هم وأهلهم ضمن اثني عشر مليون نسمة إجمالي سكان العاصمة، يرعبهم تفشي الحمى الصفراء التي أودت حتى الآن بحياة أكثر من ثلاثمئة وخمسين شخصا على الأقل، فيما يتوافر في كافة أنحاء العالم فقط ستة ملايين جرعة من مصل التطعيم ضد الحمى الصفراء، في حين أن كينشاسا وأطفالها يحتاجون إلى ضعفها، حيث تؤكد التقارير أن إنتاج المصل يحتاج إلى عام كامل …. فهل بالإمكان الجمع بين المرض والفرح معًا؟
وبالاتجاه نحو وسط إفريقيا، حيث موقع أحدث دولة في العالم ألا وهي دولة جنوب السودان، وبينما يتطلع أطفال المناطق المستقرة في إفريقيا وغيرها لاستقبال العيد ليرتدوا الجديد من الثياب المزركشة الجميلة، غير أن الدماء تزركش أجساد الأطفال في مدينة واو غرب جنوب السودان حتى أمس السبت سائلة متدفقة من نحور الكثير من الأطفال نتيجة أعمال العنف والقتال التي اندلعت موخرًا، وخلفت تسعة وثلاثين قتيلا بينهم أطفال تم ذبحهم نحرًا.. فكيف لطفل ذبيح منحور أن يحتفل بالعيد المقبل؟
وفي إفريقيا جنوب الصحراء، تحمل الأمم المتحدة للأطفال هناك بشريات مناقضة لفرحة العيد تجعل مستقبلهم أكثر رعبا وحزنا، إذ كشف أحدث تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) صدر في الأسبوع الأخير من يونيو المنصرم عن أن أكثر من مئة وخمسة وستين مليون طفل في العالم سيعيشون في فقر مدقع بحلول 2030 وأن 90% منهم من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء.. فكيف لهؤلاء الذين يشكلون قطاعا كبيرا من سكان القارة السمراء أن ينعموا بفرحة العيد المقبل بعد ساعات وهم على موعد بأن البؤس سيلازمهم ليس في هذا العيد فحسب، بل حتى في عام 2030؟ … .. والله المستعان.

طارق أشقر
من أسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى