الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ليلة القدر (2 ـ 2 )

ليلة القدر (2 ـ 2 )

وقوله:(تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: تنزل الملائكة وجبريل معهم، وهو الروح في ليلة القدر(بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) يعني بإذن ربهم، من كلّ أمر قضاه الله في تلك السنة، من رزق وأجل وغير ذلك.
وذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله:(مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) قال: يقضى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها، فعلى هذا القول منتهى الخبر، وموضع الوقف من كلّ أمر.
وقال آخرون:(تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلَّموا عليه.
ذكر من قال ذلك: حُدثت عن يحيى بن زياد الفرّاء، قال: ثني أبو بكر بن عياش، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: “من كل امرئ سلام” وهذه القراءة من قرأ بها وجَّه معنى من كلّ امرئ: من كلّ ملَك؛ كان معناه عنده: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلّ ملك يسلم على المؤمنين والمؤمنات؛ ولا أرى القراءة بها جائزة، لإجماع الحجة من القرّاء على خلافها، وأنها خلاف لما في مصاحف المسلمين، وذلك أنه ليس في مصحف من مصاحف المسلمين في قوله (أمر) ياء، وإذا قُرِئت:(مِنْ كُلّ امْرِئ) لحقتها همزة، تصير في الخطّ ياء.
وقوله:(سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) سلام ليلة القدر من الشرّ كله من أوّلها إلى طلوع الفجر من ليلتها.
والآية صريحة في أن الآيات الأوَل من القرآن نزلت ليلاً وهو الذي يقتضيه حديث بَدْء الوحي في (الصحيحين) لقول عائشة فيه:(فكان يتحنث في غار حراء اللياليَ ذواتتِ العَدَد» فكان تعبده ليلاً، ويظهر أن يكون الملك قد نزل عليه أثر فراغه من تعبده ، وأما قول عائشة:(فرجع بها رسول الله يرجف فُؤاده) فمعناه أنه خرج من غار حراء إثر الفجر بعد انقضاء تلقينه الآيات الخمس إذ يكون نزولها عليه في آخر تلك الليلة وذلك أفضل أوقات الليل كما قال تعالى:(والمستغفرين بالأسحار) (آل عمران ـ 17).
وليلة القدر: اسم جعله الله للَّيلة التي ابتدىء فيها نزول القرآن، ويظهر أن أول تسميتها بهذا الاسم كان في هذه الآية ولم تكن معروفة عند المسلمين وبذلك يكون ذكرها بهذا الاسم تشويقاً لمعرفتها ولذلك عقب بقوله:(وما أدراك ما ليلة القدر) (القدر ـ 2).
والقَدْر الذي عُرفت الليلة بالإضافة إليه هو بمعنى الشرف والفضل كما قال تعالى في سورة الدخان (3):(إنا أنزلناه في ليلة مباركة) أي: ليلة القدر والشرف عند الله تعالى مما أعطاها من البركة فتلك ليلة جعل الله لها شرفاً فجعلها مظهراً لما سبق به علمه فجعلها مبدأ الوحي إلى النبي.
والتعريف في القدر تعريف الجنس. ولم يقل: في ليلةِ قدرٍ، بالتنكير لأنه قُصد جعل هذا المركب بمنزلة العلَم لتلك الليلة كالعلَم بالغلبة، لأن تعريف المضاف إليه باللام مع تعريف المضاف بالإِضافة أوْغَلُ في جعل ذلك المركب لَقَباً لاجتماع تعريفين فيه.
وقد ثبت أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان قال تعالى:(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) (البقرة ـ 185)، ولا شك أن المسلمين كانوا يعلمون ذلك إذ كان نزول هذه السورة قبل نزول سورة البقرة بسنين إن كانت السورة مكية أو بمُدة أقل من ذلك إن كانت السورة مدنية، فليلة القدر المرادة هنا كانت في رمضان وتأييد ذلك بالأخبار الصحيحة من كونها من ليالي رمضان في كل سنة.
وأكثر الروايات أن الليلة التي أنزل فيها القرآن على النبي (صلى الله عليه وسلم) كانت ليلةَ سَبْع عشرة من رمضان، وسيأتي في تفسير الآيات عقب هذه الكلامُ في هل ليلة ذات عدد متماثل في جميع الأعوام أو تختلف في السنين؟ وفي هل تقع في واحدة من جميع ليالي رمضان أو لا تخرج عن العشر الأواخر منه؟ وهل هي مخصوصة بليلة وترٍ كما كانت أول مرّة أوْ لا تختص بذلك؟
والمقصود من تشريف الليلة التي كان ابتداء إنزال القرآن فيها تشريف آخر للقرآن بتشريف زمان ظهوره، تنبيهاً على أنه تعالى اختار لابتداء إنزاله وقتاً شريفاً مباركاً لأن عظم قدر الفعل يقتضي أن يُختار لإِيقاعه فَضْل الأوقات والأمكنة، فاختيار فضللِ الأوقات لابتداء إنزاله ينبئ عن علوّ قدره عند الله تعالى كقوله:(لا يمسه إلا المطهرون) (الواقعة ـ 79) على الوجهين في المراد من المطهرين.
قوله تعالى:(في ليلة القدر) قال مجاهد: في ليلة الحكم، وفي قوله:(وما أدراك ما ليلة القدر) قال: ليلة الحكم. والمعنى ليلة التقدير سميت بذلك لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة من أمر الموت والأجل والرزق وغيره. ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل . عليهم السلام.
وعن ابن عباس قال: يكتب من أم الكتاب ما يكون في السنة من رزق ومطر وحياة وموت، حتى الحاج. قال عكرمة: يكتب حاج بيت الله تعالى في ليلة القدر بأسمائهم وأسماء أبائهم، ما يغادر منهم أحد، ولا يزاد فيهم، وقاله سعيد بن جبير وقد مضى في أول سورة (الدخان) هذا المعنى.
وعن ابن عباس أيضاً: أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر، وقيل: إنما سميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها، من قولهم: لفلان قدر أي شرف ومنزلة، قاله الزهري وغيره، وقيل: سميت بذلك لأن للطاعات فيها قدراً عظيماً، وثواباً جزيلاً، وقال أبو بكر الوراق: سميت بذلك لأن من لم يكن له قدر ولا خطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها، وقيل: سميت بذلك لأنه أنزل فيها كتابا ذا قدر، على رسول ذي قدر، على أمة ذات قدر، وقيل: لأنه ينزل فيها ملائكة ذوو قدر وخطر، وقيل: لأن الله تعالى ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة، وقال سهل: سميت بذلك لأن الله تعالى قدر فيها الرحمة على المؤمنين، وقال: الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة، كقوله تعالى:(ومن قدر عليه رزقه) أي: ضيق.

موسى بن قسور العامري

إلى الأعلى