الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من صفات المتقين .. كثرة القنوت (2)

من صفات المتقين .. كثرة القنوت (2)

.. في المقال السابق ذكرت لكم أن من صفات المتقين كثرة القنوت وعرفت القنوت وحقيقته وفضله، وأنه دأب الأنبياء الذين ينبغي أن نقتدي بهم، وفي مقال اليوم اذكر فوائد القنوت والتضرع والدعاء فأقول للقنوت والدعاء فوائد جمة وبالغة الاثر في نفوس البشر تجلت أهميته بفوائده اللامتناهية، وهو ينطوي تحت مفهوم الطلب والنداء والاستغاثة، فالقنوت والدعاء ينبع من حاجة المرء لأمر ما فتترجم تلك الحاجه بالدعاء، وقد تزامن وجود الدعاء بوجود البشرية وبالتحديد بالتزامن مع خلق سيدنا آدم عليه السلام حيث اتاح الله تعالى لعباده ان يسألوه ويدعوه بحاجاتهم، حيث ألهم الله عز وجل سيدنا ادم بالدعاء عند نزوله للأرض وقد دعا سيدنا ادم الله ـ جل وعلا ـ بالمغفرة ليطهره من الذنوب. فلا بد وان الدعاء هو إحدى أهم النعم التي أنعم الله بها علينا وكرمنا بها.
وتتجلى فائدته بالجانب الروحي اكثر من الجانب المادي فقد ندعو الله بشيء ما ولا يتحقق ولكن مجرد الإحساس بأن الله يسمعنا وقت دعائنا يعطي الشعور بالراحة والسعادة اللامتناهية، وبين الله بكتابه الكريم فضل الدعاء وقال عزوجل:(أدعوني استجب لكم)، وقال ايضاً جل جلاله:(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان).
مما يبين لنا ان الله يسمع عباده عند دعائهم ويستجيب لهم، لكن تختلف وتتعد طرق استجابة الدعاء فالله عز وجل إما ان يجيب دعاء عبده ويلبي حاجته بما هو خير له أو يرد بها أذى قد يكون مقدر له أو يكنزها لعبده ليوم يجمع عباده للحساب وبكافة طرق الإجابة تتجلى الراحة النفسية وتكمن الفائدة والخير للعبد.
وتتجلى فوائد الدعاء بالجانب الروحي أكثر من الجانب المادي لما له من اثر بالغ الشده في نفس العبد حيث يستشعر العبد بقربه من الله ويشعر بأن ما يحدث معه من امور هي مقدره من الله عز وجل وبأن الله يسمعه ويراه ويرافقه بكل خطوه مما يحيطه بهالة من الامن والطمأنينة والتخلص من شعور الخوف من امور الدنيا حتى وإن لم يستجب الله لدعائه وطلبه فإن العبد يكون على يقين ان الله دفع عنه مكروه أعظم بهذا الدعاء، ويبقى الدعاء هو ذلك السحر المبرر والمشروع بالحصول على راحة لا متناهيه وانشراح الصدر وتفريغ الهموم، وكلما زاد العبد بدعائه لله كلما تقرب منه وزاد إيمانه بالله تعالى والفوز برضى الرحمن ونزول السكينة والرحمة، كما ان الدعاء يجلب الرزق وينير الوجه ويحيي القلب مما يبعث في النفس الراحة والسرور ويسهل الصعاب وصلة لا تنقطع بين العبد وربه، وما دام قلب الانسان ينبض يبقى الدعاء الجزء الاهم بحياته وهو العلاج النفسي لكافة امور الدنيا وسبب في السعادة النفسية ،وهو من أعظم النعم التي أنعم الله بها علينا فنحمد الله على نعمة الدعاء الذي سيبقى الرابط الأقوى لكل عبد بينه وبين الله تعالى.
أيها القارئ الكريم: ان القنوت والدعاء كلماتٌ تخرج من قلب المؤمن لله تعالى، والقنوت والدعاء عبادةٌ نتقرب بها من الله تعالى، فالقنوت والدعاء جنة القلب وغذاء الروح، والقنوت والدعاء قوة المؤمن وسلاحه في الدنيا وضد ظلم البشر، والدعاء طريق جميلٌ من قلب المؤمن يصعد للسماوات السبع ويصل لله تعالى، المسلم المؤمن بالله المتوكل عليه دائماً، يدرك أهمية الدعاء في حياته، فلا يوجد إنسان لا يحتاج إلى الدعاء، فلا يحتاج للمال ولا للصحة ولا للذرية الصالحة ولا للتوفيق والفلاح، ولا للسعادة والراحة، بل جميعنا تنقصنا أشياءٌ عديدة في الدنيا ، فندعو الله و نتضرع له بأن يرزقنا إياها، وقد لا ندعو الله لأشياء دنيوية كالمال والصحة والأولاد، بل ندعوه لآخرتنا، فندعوه بأن يرزقنا الله حُسن الختام والموت على فعل الطاعات والابتعاد عن المعاصي، ندعوه بأن يدخلنا الجنة بغير حساب ولا سابق عذاب، وأن يخفف عنا عذاب القبر ويرحمنا برحمته ويغفر لنا ذنوبنا ، كما ندعو لأحبائنا ممن ماتوا بأن يجعل قبورهم روضة من رياض الجنة وأن يخفف عنهم عذاب القبر ويسهل عليهم عبور الصراط وأن يجمعنا بهم في فردوسه الأعلى في الجنة، والدعاء لله تعالى يكون في كل الأوقات وفي كل الحالات، في الفرح والحزن، والمصيبة وعند الموت، في الصباح والمساء، بعد الصلاة وفي جوف الليل.
وهذا يدل على رحمة الله بعبادة المؤمنين، ففتح لهم أبواب الدعاء في كل وقت، ليخبرهم بأنه سبحانه وتعالى حي قيوم لا ينام عن عباده وعن احتياجاتهم ، وأنه موجود معهم دائماً وأنه أقرب إلينا من حبل الوريد، قال تعالى:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، فالإنسان المؤمن من يدعو الله في السراء والضراء، له إجابة دعوته سواءً استجيبت دعوته في الدنيا أو ادخرها الله له في الآخرة، وله الثواب العظيم من الله لأنه يعترف اعترافاً واضحاً بضعفه أمام قوة الله وقدرته على تغير حالنا إلى افضل حال، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) لابن عباس ـ رضي الله عنهما:(إِذَا سَألْتَ فَاسأَلِ الله، وإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللهِ) فدائماً وأبداً اسأل الله عن حاجتك ولا تسأل العبد.
ولا يجب دعاء الله فقط في أيام الشدة والمصائب، بل أيضاً ندعوه في أوقات الرخاء، قال الرسول صلى الله عليه وسلم موصياً الفضل بن العباس:(احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة)، فلا تنسَ الله في أوقات فرحك فينساك في مصيبتك ولا يكن معك، فالمؤمن الذي يدعو الله يزرقه الله تعالى راحة البال والطمأنينة لاستشعاره قرب الله منه ووجوده الدائم معه، يفتح عليه رزقه ويوسعه عليه، يبارك له في عمره، ويدم عليه صحته، ويرزقه الثواب في الدنيا والآخرة
، وعلى كلٍّ فإن الدعاء عبادة لله بل هو من أعظم العبادات وأجلها لما فيه من التجاء العبد إلى ربه وتضرعه إليه وارتباطه به، وقد أمر الله عباده بدعائه ووعدهم بالإجابة، إضافة إلى ذلك فإنه سبب لحصول المطلوب، إذاً فالدعاء قد شرع لأنه عبادة لله، ونفع هذه العبادة عائد على العبد، لأن الله تعالى غني عن عبادة الناس له، والأمر الثاني: أن من حكمة تشريعه أنه سبب لحصول الأمر المطلوب.
فتحصل من هذا أن من حكمة تشريع الدعاء أنه عبادة لله ينتفع بها العبد، ويردا لله عنه بها البلاء والمحن وغير ذلك من المكروهات، كما يعطيه بسبب الدعاء أيضاً المطالب التي يدعو الله تعالى أن يعطيه إياها.
ومن هنا نعلم أن القنوت والتضرع بالدعاء هو أعظم أنواع العبادة ،لأنه يدل على التواضع لله، والافتقار إلى الله، ولين القلب والرغبة فيما عنده، والخوف منه تعالى، وترك الدعاء يدل على الكبر وقسوة القلب والإعراض عن الله والله عز وجل .. أسأل أن يرزقني الإخلاص في كل قول وعمل، إنه بكل جميل كفيل، وهو وحده حسبي ونعم الوكيل.

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى