الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (27)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (27)

مفهوم الموعظة:
أخطأ بعض الناس من خطباء وغيرهم في مفهوم الموعظة ، فبعضهم قصرها على التخويف وآخرون قصروها على الترغيب ، ونتيجة القولين أحدثت نقداً من البعض ، بسبب قصور هذا الفهم ، على بعض الخطباء الذين يتكلمون في خطبهم عن بعض الأحداث المعاصرة أو نحو ذلك والتعليق عليها بما ينفع المسلمين؛ ومن ثم فقد يوجه اللوم على من يسير على هذه الطريق بأنك لا تهتم بالوعظ في الخطب ولو أنك فعلت كذا وكذا .. الخ.
أقول بياناً لهذا المفهوم ـ البعيد عن الحق: الوعظ في اللغة: الأمر بالطاعة والوصية بها، قال ابن سيده في المصباح المنير: وعظه يعظه وعظاً وعظةً: أمره بالطاعة ووصاه به وعليه قوله تعالى:(قل إنما أعظكم بواحدة) (سبأ ـ 46) أي أوصيكم وآمركم، فاتعظ أي ائتمر وكف نفسه، والاسم: الموعظة، وهو واعظ والجمع وعاظ. وقال الرازي في مختار الصحاح: وعظ (الوعظ): النصح والتذكير بالعواقب.أهـ.والوعظ في الاصطلاح: قال عنه العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقران ما نصه:(تنبيه: فإن قيل: يكثر في القرآن إطلاق الوعظ على الأوامر والنواهي كقوله هنا:(يعظكم لعلكم تذكرون) (النحل ـ 90). مع أنه ما ذكر إلا الأمر والنهي في قوله:(إن الله يأمر بالعدل.. ) إلى قوله: (وينهى عن الفحشاء) (النحل ـ 90)، وكقوله في سورة البقرة بعد أن ذكر أحكام الطلاق والرجعة:)ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر( )البقرة ـ 232)، وقوله في النهي عن مثل قذف عائشة:(يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً) (النور ـ 17)، مع أن المعروف عند الناس أن الوعظ يكون بالترغيب والترهيب ونحو ذلك لا بالأمر والنهي، فالجواب: أن ضابط الوعظ: هو الكلام الذي تلين له القلوب، وأعظم ما تلين له قلوب العقلاء: أوامر ربهم ونواهيه، فإنهم إذا سمعوا الأمر خافوا من سخط الله في عدم امتثاله وطمعوا فيما عند الله من الثواب من امتثاله، وإذا سمعوا النهي خافوا من سخط الله في عدم اجتنابه، وطمعوا فيما عنده من الثواب في اجتنابه فحداهم حادي الخوف والطمع.
قلت: وبهذا يتضح غلط من قصر الوعظ على الترغيب أو الترهيب أو عليهما جميعاً، وبه تبين كذلك أن كل ما أوصل إلى التذكر أو تصحيح الخطأ في كل شأن من شئون الناس الدينية أو الدنيوية فهو من باب الوعظ ولذلك جاء الوعظ حتى في الأمر والنهي كما ذكر ذلك صاحب أضواء البيان آنفاً.وأقول زيادة على آيات الطلاق كذلك آيات الظهار، حيث قال جل شأنه: (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به) (المجادلة ـ 3)، وهذا في جانب فقهي بحت، وقال سبحانه:(قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى و فرادى ثم تتفكروا ..) (سبأ ـ 46)، وهذا في جانب العقائد.
الطهارة من الحدث في الخطبة:
اشترط الشافعية وأبو يوسف من الحنفية الطهارة من الحدث، وكذا الطهارة من النجاسة في البدن والثوب والمكان، وأما جمهور أهل العلم فعلى عدم اشتراط الطهارة من الحدث سواء كان أصغر أو أكبر على الصحيح من أقوالهم ، ودليلهم في هذه المسألة أن الخطبة ذكر وموعظة وليست صلاة، والحدث مطلقاً لا يمنع من الذكر إلا أن الطهارة من كل ذلك مندوبة للتأسي والاتباع، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يصلي عقيب الخطبة لا يفصل بينهما بطهارة، فدل على أنه كان متطهراً، ومن لم يكن كذلك فإنه يحتاج إلى الطهارة بين الصلاة والخطبة، فيفصل بينهما وربما طول على الحاضرين..وقد قال الإمام أحمد في من خطب وهو جنب ثم اغتسل وصلى بهم: يجزئه، قال ابن قدامة في المغني: وهذا إنما يكون إذا خطب في غير المسجد، أو خطب في المسجد غير عالم بحال نفسه ثم علم بعد ذلك .. والله تعالى أعلم.
إذا قرأ الخطيب آية فيها سجدة:
أود أن أبين قبل الشروع فيما يتعلق بالعنوان – حكم سجود التلاوة في اختصار شديد؛ فأقول: اختلف أهل العلم في سجود القرآن على قولين: فعند الحنفية أن سجود التلاوة واجب، وهو اختيارابن تيمية رحمه الله خلافاً للجمهور الذين قالوا بأن سجود التلاوة سنة وليس واجباً، وهم بلا شك أحظ بالدليل من غيرهم، ومما استدلوا به على ما ذهبوا إليه ما روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال:(قرأت على النبي (صلى الله عليه وسلم) (والنجم) فلم يسجد فيها)، ولو كان السجود واجباً لأمره النبي (صلى الله عليه وسلم) ولو بعد ذلك.ويدل على ذلك أيضاً: ما رواه البخاري في صحيحه بسنده في قصة قراءة عمر بسورة النحل وسيأتي بعد قليل.
ومما يتعلق بهذه المسألة أيضاً باختصار أن سجود التلاوة في حق القارئ والمستمع على ما دلت عليه السنة لما جاء في صحيح البخاري أن ابن عمر ـ رضي الله عنهما قال:(كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته)، وأما السامع وهو غير المستمع فلا يؤكد في حقه السجود كما يؤكد على المستمع كما قال الشافعي، وقد روى عبد الرزاق بسندٍ صحيح:(أن عمران مر بقاص فقرأ القاص السجدة فمضى عمران ولم يسجد معه)، وصح مثل ذلك عند عبد الرزاق عن سلمان، وروي مثله عن عثمان ـ رضي الله عنه:(أنه مر بقاص فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان فقال عثمان: إنما السجود على من استمع ثم مضى ولم يسجد) بقي معنا ما يتعلق بسجود الخطيب على المنبر إذا مر بآية سجدة ، فالذي اطلعت عليه أن مالكاً يرى أنه يمر على آية السجود ولا يسجد، ولكن المتأمل في سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) يجد خلاف ما ذهب إليه مالك، فقد أورد الحافظ ابن حجر في الفتح ما رواه أبو داود وابن خزيمة والحاكم من حديث أبي سعيد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قرأ وهو على المنبر، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها في يوم آخر فتهيأ الناس للسجود فقال:(إنما هي توبة نبي ، لكني رأيتكم تهيأتم، فنزل وسجد وسجدوا معه)، قال العراقي: إسناده صحيح، نقل ذلك الشوكاني عنه في نيل الأوطار، ومن ذلك ما ثبت عند البخاري في صحيحه عن عمر ـ رضي الله عنه:(أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس، إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر)، فيثبت بذلك مشروعية سجود التلاوة ولو على المنبر وهذا من سنة النبي (صلى الله عليه وسلم).
هل يمكن أن يتولى الصلاة من لم يتول الخطبة:
السنة أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يتولاهما بنفسه ، وكذلك خلفاؤه من بعده ، وللإمام أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات: الرواية الأولى: جواز ذلك للعذر نص عليه لأنه إذا جاز الاستخلاف في الصلاة الواحدة للعذر ففي الخطبة مع الصلاة أولى، والرواية الثانية: أنه إذا لم يكن هناك عذر فقد قال أحمد: لا يعجبني من غير عذر، وهذا يحتمل المنع ويحتمل الجواز.والرواية الثالثة: أنه لا يجوز الاستخلاف لعذرٍ ولا لغيره لأن هذا لم ينقل عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا عن خلفائه، لكن الرواية الأولى هي المذهب كما ذكر ذلك ابن قدامة في المغني، وبالجواز والصحة قال بعض العلماء:(وهو قول جمهور أهل العلم ، لكنهم اختلفوا: هل يشترط أن يكون المصلي ممن حضر الخطبة؟ فيه روايتان في: إحداهما: أنه يشترط أن يكون المصلي ممن حضر الخطبة؟، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي وأبي ثور لأنه إمام في الجمعة فاشترط حضوره الخطبة كما لو لم يستخلف، والرواية الثانية: لا يشترط، وهو قول الأوزاعي والشافعي لأنه ممن تنعقد به الجمعة فجاز أن يؤمّ فيها كما لو حضر الخطبة .. والله تعالى أعلم .. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى