الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ذكر الله .. وفضله (1)

ذكر الله .. وفضله (1)

إن خير ما أمضى فيه المؤمن وقته وصرف فيه أنفاسه وحياته ذكر الله تبارك وتعالى فذكر الله ـ جل وعلا ـ هو خير أمر صرفت فيه الاوقات وأمضيت فيه الأنفاس وأمرت فيه الأوقات ذكر الله جلا وعلا أساس السعادة للعباد سبيل الفوز والفلاح يوم التناد ذكر الله حياة القلوب والقرب من علام الغيوب، وفي ذكر الله كشف الغموم وتفريج الكروب وفي ذكر الله زوال المكروه وحصول المطلوب، وذكر الله تعالى محله القلب واللسان والجوارح، فأما ذكر الله بالقلب معناه أن يكون ذكر الله تعالى دائما في قلبه يفكر في أسماء الله الحسنى ومعاني صفاته العليا وأما ذكر الله باللسان فمعناه أن ينطق بلسانه بذكر ربه بذكر أسمائه وصفاته وأحكامه فالتهليل والتكبير والتسبيح والحمد والثناء من ذكر الله، ودرس القرآن والعلوم الدينية وتعليمها وتعلمها من ذكر الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ذكر الله، وأما ذكرالله بالجوارح فإن كل فعل تفعله متقربا إلى الله متبعا فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فهو من ذكر الله.
وورد في فضل الذكر والدعاء والحث عليها آيات كثيرة، وأحاديث صحيحة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، نذكر ما تيسر منها: قال الله سبحانه وتعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً)، وقال تعالى:(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ)، وقال تعالى:(إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ ..) إلى أن قال سبحانه:(وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)، وقال تعالى:(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ..) وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وقال تعالى:(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً)، وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، وقال تعالى:(رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)، وقال تعالى:(وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ)، وقال تعالى:(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وإنَّ المتأمِّل في نصوص الكتاب والسُّنة، لَيرَى عجبًا في بيان أهميَّة الإكثار من ذِكر الله تعالى، ففي الجِهاد في سبيل الله وحال مُلاقاة الأعداء، يأمر الله تعالى بالثبات وبالإكثار من ذِكره؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأنفال ـ 45)، وبعد أداء الصَّلاة التي هي من أعظم العبادات، يوصي ربُّنا بذكره (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) (النساء ـ 103)، وبعد أداء صلاة الجمعة يوصينا ربُّنا (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة ـ 10)، وفي مناسك الحج يأتي الأمر بذِكر الله في ثنايا أعمال الحجيج (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) (البقرة ـ 200)، والإكثار من ذكر الله تبارك وتعالى ودعائه سبحانه مستحب في جميع الأوقات والمناسبات، وفي الصباح والمساء، وعند النوم واليقظة، ودخول المنـزل والخروج منه، وعند دخول المسجد والخروج منه، لما سبق من الآيات الكريمات، ولقوله تعالى:(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالأِبْكَارِ)، وقوله تعالى:(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)، وقوله تعالى:(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)، وقوله تعالى:(فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً)، وقوله تعالى:(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ)، وقال تعالى:(فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ)، وقال سبحانه:(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ).
الرسول (صلى الله عليه وسلم) والذكر:
كان النبي (صلى الله عليه وسلم) أكملَ الخلق ذِكْراً للّه عَزَّ وجَلَّ، بل كان كلامُه كُلُّهُ في ذِكر اللَّه وما والاه، وكان أمرُهُ ونهيُه وتشريعُه للأمة ذِكْراً منه لِلَّهِ، وإخبارُهُ عن أسماءِ الربِّ وصِفاتِه، وأحكامِهِ وأفعاله، ووعدِه ووعيده، ذِكراً منه له، وثناؤُه عليه بآلائه، وتمجيدُه وحمدُه وتسبيحُه ذكراً منه له، وسؤالُه ودعاؤه إياه، ورغبتُه ورهبتُه ذِكراً منه له، وسكوته وصمتُه ذِكراً منه له بقلبه، فكان ذاكراً للّه في كل أحيانه، وعلى جميع أحواله، وكان ذِكْرُهُ لِلًّهِ يجرى مع أنفاسه، قائماً وقاعداً وعلى جنبه، وفى مشيه وركوبه ومسيره، ونزولِه وظعنه وإقامته.
أصحاب رسول والذكر
كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يكثرون من الاستغفار والتوبة والإنابه؛ يقول سيدنا علي ـ كرم الله وجهه ـ العجب ممن يهلك ومعه النجاة، قيل: وما هي؟ قال الاستغفار وسيدنا ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يقول: التوبة النصوح: الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، ويصف سيدنا علي ـ كرم الله وحهه ـ أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) فيقول: كانوا إذا ذكروا الله تعالى مادوا كما تميد الشجرة في اليوم الشديد الريح وجرت دموعهم على ثيابهم.
ذكر أن أبا هريرة كان يسبح في كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة ويقول: أسبح بقدر ذنبي. روى مسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري أن معاوية خرج على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا جَلسنا نذكر الله! قال آللهِ ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا آللهِ ما أجلسنا غيره! قال: أما إني لم أستحلفْكم تُهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أقلَّ عنه حديثا مني. وإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: آللهِ ما أجلسكم إلا ذلك! قالوا: آللهِ ما أجلسنا إلا ذلك! قال: أما إني لم أستحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة، وروى الإمام أحمد في الزهد عن ثابت قال: كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمر النبي (صلى الله عليه وسلم) فكفوا. فقال: ما كنتم تقولون؟ قلنا: نذكر الله. قال: إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها، ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر معهم، وذلك قوله تعالى لحبيبه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، لما كبر خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ أخذ المصحف وبكى وقال شغلنا عنك الجهاد، قال معاذ ببن جبل ـ رضي الله عنه:(ماعمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله قالوا: يا أبا عبد الرحمن ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل؟ قال: ولا الجهاد إلى أن يضرب بسيفه حتى ينقطع. لأن الله عز وجل يقول في كتابه: ولذكر الله أكبر).
يقول ابن القيم: الذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل، ومن مُنِعَه عُزِل. وهو قوت قلوب القوم التي متى فارقها صارت الأجساد لها قبوراً، وعمارةُ ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بُوراً. وهو سلاحهم الذي به يقاتلون قطّاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الحريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست فيهم القلوب، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب.
يقول أحد السلف عن حال العباد: إذا انكشف الغطاء يوم القيامة عن ثواب أعمالهم .. لم يروا ثواباً أفضل من ذكر الله تعالى فيتحسر عند ذلك أقوام فيقولون: ماكان شيء أيسر علينا من الذكر .. فاللهم ارزقنا ألسنة رطبة بذكرك وشكرك.
* (المرجع : مراجع عديدة).

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري

إلى الأعلى