الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ليلة القدر ليلة الربح

ليلة القدر ليلة الربح

ليلة القدر هي الليلة التي تفرق فيها الآجال والأرزاق فتتلقاها الملائكة من اللوح المحفوظ وتنزل بها بأمر الله:(حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك إنه هو السميع العليم) أول الدخان.
إن الأعمال بالخواتيم لقد مضى من هذا الشهر الفضيل الكثير ولم يبق إلا القليل قليل في العدد ولكنه كثير كثير في الأجور والحسنات فالغنيمة الغنيمة بالعزيمة الصادقة وبالمعروف والإحسان بالتعب والسهر وبطول الصلاة والقراءة وطول الركوع والسجود لله خاضعين له جل في علاه ولبره وخيراته راجين ومؤملين ومن عذابه وعقابه مستجيرين مستعيذين فإنه تعالى أكرم الأكرمين وأرحم الرحمين نتعب ليلة ونربح طول حياتنا الدنيوية والأخروية فلو طلبت منك مثلاً ونحن في جو حار أن تقف في هذا الجو الحار ساعة ثم أجعلك تجلس منعما داخل البيت في جو مكيف بقية اليوم ولو طلبت منك أن تجلس ساعة في البيت في جو مكيف ثم أجعلك تجلس بقية اليوم في الجو الحار خارج البيت بالله عليك أيهما تختار لا شك أن العاقل سيختار ساعة في الجو الحار وبقية اليوم في داخل البيت في الجو المكيف فالساعة هي الدنيا وبقية اليوم هي الحياة الأبدية والله المستعان فهو القائل سبحانه:(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) (البقرة ـ 186).
من لم يربح في هذا الشهر الفضيل ففي أي وقت يربح ومن لم ينب فيه إلى مولاه ففي أي وقت ينيب ويصلح ومن لم يزل متقاعداً عن الخيرات ففي أي وقت تحصل له الاستقامة ويفلح؟ وقد جاء في الحديث الشريف في المعجم الكبير للطبراني:(أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خرج يوماً إلى المنبر فقال: حين ارتقى درجة آمين ثم ارتقى الأخرى فقال آمين ثم ارتقى الثالثة فقال آمين فلما نزل عن المنبر وفرغ قلنا يا رسول الله لقد سمعنا منك كلاما اليوم ما كنا نسمعه قبل اليوم قال وسمعتموه قالوا نعم قال إن جبريل ـ عليه السلام ـ عرض لي حين ارتقيت درجة فقال بعُد من أدرك أبويه عند الكبر أو أحدهما لم يدخلاه الجنة قال قلت آمين وقال بعُد من ذكرت عنده ولم يصل عليك فقلت آمين ثم قال بعُد من أدرك رمضان فلم يغفر له فقلت آمين). صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
إن هذا الشهر فرصة عظيمة فلنغتنمها قبل فواتها ولنحفظ أنفسنا عما فيه شقاؤها وهلاكها ألا وإن شهرنا الكريم شارفت لياليه وأيامه الثمينة على الانتهاء فلنتدارك ما بقي منها بصالح الأعمال ولنبادر بالتوبة من الذنوب فليلة القدر العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ويتبادر إلى الزهن سؤالين كيف نعرف هذه الليلة؟ وماذا نقول ونفعل فيها إن عرفناها؟.
فالسؤال الأول هذه الليلة متى هي؟ الأرجح أنها في العشر الأواخر وأرجى الليالي هي ليالي الوتر وأرجى ليالي الوتر ليلة السابع والعشرين، كما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رجالاً من أصحاب النبي أُرُوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله:(أرى رؤياكم قد تَوَاطَأت في السبع الأواخر فمن كان مُتحريها فليتحرّها في السبع الأواخر) ووردت آثار موقوفة على بعض الصحابة منهم عمر بن الخطاب مُحَدَّث هذه الأمة وحذيفة بن اليمان أمين سر رسول الله وأُبي بن كعب شيخ القراء أنها ليلة السابع والعشرين ومما يُقوِّي أنها ليلة السابع والعشرين هذا الإجماع الحاصل في الأمة الإسلامية عبر مئات السنين فهم يتحرّونها في هذه الليلة والله سبحانه لا يجمع الأمة على ضلالة.
السؤال الثاني: ماذا أقول وأفعلفي تلك الليلة إن علمتها؟ إن لتلك الليلة دعاء علّمه النبي (صلى الله عليه وسلم) للسيدة أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ علينا أن ندعو به في سجودنا وفي قنوتنا هذه الأيام وهو (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني) عن عائشة قالت قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال:(قولي اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عني) ـ رواه الشيخان وغيرهما، وقد جمع هذا الدعاء آداب السؤال فابتدأ بهذا النداء (اللهم) وأصلها: يا الله ، واسم الجلالة الله هو اسم الله الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب وفي قوله :(إنك عفو تحب العفو) توسّل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته وهنا توسل إليه بصفة العفو فإنه العَفُوُ وقوله (فاعف عني) يضمن كل خير لأن العفو يمحو الماضي ويسقط المتابعة وليس هذا هو الدعاء الوحيد الذي يُدعَى به في ليلة القدر ولكن أكثر منه وأدع بما تشاء ولا يفوتنا التنبيه على سنة نبوية في هذه العشر الأواخر وهي سنة الاعتكاف فقد كان النبي يعتكف العشر الأواخر طلبًا لليلة القدر لما قوي ظنه أنها فيها وأجمعت الأمة أنه ليس بفرض ولكنه سنة مؤكدة واظب عليها النبي حتى توفاه الله واقتدى به في ذلك أزواجه وأصحابه ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ فمن تيسرت له تأسيًا به فهو أفضل وسيلة لترصّد ليلة القدر والتعرض لها ومن لم تسمح له الظروف فليكثر المكث في المسجد في هذه العشر وليشهد صلاة القيام في المسجد فمن حرم فضل هذه الليلة فقد حرم خيرًا كثيرًا.
.. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

أنس فرج محمد فرج

إلى الأعلى