الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / البِنية الصرْفية ودورها في كشف الدلالة القرْآَنية (5)

البِنية الصرْفية ودورها في كشف الدلالة القرْآَنية (5)

إن كلمات القرآن الكريم تحتاج في تفهُّمها ، وإدراك مراميها ومقاصدها إلى شيء من الأناة والتأني، وإلى كثير من التروِّي والتؤدة؛ لأن (لا) هنا يمكن تأويلها على أحد توجيهين:
التوجيه الأول: أن (لا) ناهية حقاً، وأن الفعل قد جُزِمَ، وحُذفت ألفه، ولكن استعيرت ألفٌ شكلية لتتناسب مع الفاصلة: قبلها، وبعدها، فالكلمة مجزومة وفقَ القاعدة النحوية، وهي على وزن (تفعى)، وليس على وزن (تفعل) بسبب حذف الآخر المقابل للام الميزان، هذا هو الوجه الأول، ولكن ألفها الأخيرة زِيدَتْ لتناغم الفواصل، فهي ألف مستعارة.
والتوجيه الثاني: أن الفعل المعتل هنا عُومل في الجزم معاملة الصحيح، والصحيح لا يُحذَف آخره، وإنما تُحذَف حركتُه فقط، فيسكن، مثل:(لم يلدْ ولم يولدْ)، فعومل المعتل هنا معاملة الصحيح، وجاء هذا على لهجة من لهجات العرب، تلك اللهجة التي لا تحذف آخر الفعل المعتل، وإنما تسكِّنه فقط، قياسا على ما تفعله مع الصحيح، كما قال شاعرهم:
ألم يأتيك والأنباء تنمى
بما لاقت لبونُ بني زياد
ولم يقل:” ألم يأتِك”، ومنه كذلك:
هَجَوْتَ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرا
مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ
ولكن هذا الرأي أو التوجيه النحوي الأول باعتبار (لا) ناهية هو رأي مرجوح، ضعيف ، ولا يليق بمقام النبوة، والأجدى أن نرتكن إلى التوجيه الثاني الأقوى، الذي يتناسب مع مقام النبوة ، وما حدثتْنا به الآياتُ القرآنيةُ نفسُها ، حيث أبانت عن مكانة القرآن الكريم في قلب النبي (صلى الله عليه وسلم)، ذلك الذي قيل في حقه الشريف:” ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقْضَى إليك وحيه”، وقوله:”إنَّ علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه”، فقد جمعه الله له، وثبته في قلبه، ورسخه ومكنه في فؤاده، وكان (صلى الله عليه وسلم) قائماً به، قاعداً، ماشياً، واقفاً، مسافراً، مقيماً، عاش له، ولأجله، ولحبه، وتلاوته، ونشره، وتعليمه، فكيف بعد كل هذا ينساه، وينهاه الله عن نسيانه، إن اعتبار (لا) هنا نافية غير عاملة هو الأدخل في مقام النبوة، والأولى في مكانة القرآن الكريم في قلب رسول الله )صلى الله عليه وسلم(، ويكون المعنى مع جعلها نافية:(سنقرئك، وتكون نتيجة إقرائنا إياك أنك لا تنسى، أو فأنت بعد إقرائنا إياك لا تنسى)، ولا نلتمس أوجهَ إعرابٍ ضعيفة من هنا أو هناك، ونرتكن إلى أعاريب تَجري على لغة ضعيفة، أو لهجة مغمورة، بل (لا) هنا نافية، لا ناهية، والفعل المضارع بعدها مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره، منع من ظهورها التعذر، كما في:(وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى)، ونحو:(وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى)، وهكذا ظهرت البنية القرآنية محققةً للدلالة العميقة التي سيقت لها، وسيق من أجلها الرسم المصحفي، فقد تعانق الرسم والمعنى ، وجاء معا لبيان منزلة النبوة، ومقامها السامي، ونظرة القرآن لمقام النبوة، ومكانة الرسول (صلى الله عليه وسلم) عند ربه ومولاه.
والنموذج التاسع: قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ..)، وردت البِنية القرآنية مضغوطة: (اِثَّاقَلْتُمْ)، فَلِمَ عُدِل عن (تثاقلتم) اليسيرة السهلة إلى (اثاقلتم) الشديدة الوقع ، الصعبة النطق، التي تكاد روح القارئ تخرج معها، حيث ينحبس معها الهواء، ويَخرج اللسان في نطق الثاء، وتأتي ألف المد ؛ لتُخرِج كلَّ ما في الرئة من هواء، ثم تأتي القاف القوية المفخمة ، تعقبها اللام الخارجة من جوانب الفم، إنها تشكيلة صوتية متعبة، فلم كان ذلك؟!، وهل علم الصرف يمكنه أن يبيِّنَ لنا تلك الدلالة العميقة للكلمة، ويقفنا على ظلها البلاغيّ، ومرادها الخفيّ؟.

د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم
جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى