الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (24)

مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (24)

تقدم بنا الحديث في شاهد من الشواهد القرانية الداعية الى ضرورة اعمال العقل، وان لا يكون الانسان رهينا لغيره فانه بهذا يفقد شخصيته الانسانية، ويجانب الحق حينئذ، واليوم سوف نكمل الحديث في هذا الموضوع ايضا وهو ايراد مزيد من الشواهد القرانية التي تدعو الانسان بما هو انسان الى اعمال عقله واعمال مباني عقله، واعمال المقدمات الاساسية التي يبني العقل فيها ثماره الطيبة .. فمن الشواهد القرانية التي نود تسليط لضوء عليها هي الآية المباركة.
قال تعالى:(أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (يونس ـ 35)، (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُون)َ (يونس ـ 36)
تحمل هذه الآية المباركة مجموعة من المسائل الجميلة، من قبيل الهداية، والتابعية لمن يحكم به العقل، وما هي القواعد التي ينبغي ان تعتمد في امر التابعية، والتي يقسم القرآن الكريم التابعية هنا وفي غيرها من الآيات الكريمة الى قسمين: التابعية الايجابية والتابعية السلبية، وايضاً تعرض القرآن الكريم الى موضوع الظن، وهذا موضع كلامنا ان شاء الله تعالى.
ولكن قبل هذا فاننا نشير الى امرين مهمين فيما يمكن ملاحظته في هاتين الآيتين، وفيما سبقها من الآيات المباركة، الامر الاول: ان الآيتين في سياق اثبات التوحيد في مقام الربوبية، وقد قال العلامة الطباطبائي في تفسير (الميزان 10 : 50) حجج ساطعة على توحيده تعالى في الربوبية يأمر نبيه (صلى الله عليه واله وسلم) باقامتها على المشركين، وهي ثلاث حجج مرتبة بحسب الدقة والمتانة، فالحجة الاولى تسلك من الطريق الذي يعتبره الوثنيون وعبدة الاصنام فانهم انما يعبدون ارباب الاصنام بأصنامهم من جهة تدبيرهم للكون فيعبدون كلا منهم لاجل ما يخص به من الشأن، وما يرجع اليه من التدبير ليرضى بذلك عمن يعبده فيفيض عليه بركاته او ليؤمنه فلا يرسل اليه سخطه وقابه كما كان يعبد سكان السواحل رب البحر، واهل الجبال واهل البر واهل العلوم والصنائع واهل الحروب والغارات وغيرهم كل يعبد من يناسب تدبيره الشأن الذي يهمه ليرضى عنه ربه فيبارك عليه برضاه او يكف عنه غضبه.
ومحصل الحجة ان تدبير العالم الانساني وسائر الموجودات جميعا يقوم به الله سبحانه لا غير على ما يعترفون به ، فمن الواجب ان يوحدوه بالربوبية ولا يعبدوا الا اياه.
والحجة الثانية: ما يعتبره عامة المؤمنين، وذلك انهم لا يلتفتون كثيرت الى زخارف هذه النشأة من لذائذ المادة، وانما جل اعتنائهم بالحياة الدائمة الاخروية التي تتعين سعادتها وشقاوتها بالجزاء الالهي باعمالهم، فاذا قامت البينة العقلية على الاعادة كالبدء كان من الواجب ان لا يعبد الا الله سبحانه.
والحجة الثالثة: وهي التي تحن اليها قلوب الخاصة من المؤمنين وهي ان المتبع عند العقل هو الحق، ولما كان الحق سبحانه هو الهادي الى الحق دون ما يدعونه من الارباب من دون الله فليكن هو المتبع دون ما يدعونه من الارباب.
ثم قال في البيان التفصيلي لهذه الحجة الثالثة: وهي حجة عقلية .. وتوضيحها ان من المرتكز في الفطرة الانسانية وبه يحكم عقله ان من الواجب على الانسان ان يتبع الحق حتى انه ان انحرف في شئ من اعماله عن الحق واتبع غيره لغلط او شبهة او هوى فانما اتبعه لحسبانه اياه حقا والتباس الامر عليه ، ولذا يعتذر عنه بما يحسبه حقاً، فالحق واجب الاتباع على الاطلاق ومن غير قيد أو شرط والهادي الى الحق واجب اتباعه لما عنده من الحق، ومن الواجب ترجيحه على من لا يهدي اليه او يهدي الى غيره لان اتباع الهادي الى الحق اتباع لنفس الحق الذي معه وجوب اتباعه ضروري، ثم قال العلامة الطباطبائي:(وقد اعتمد في الحجة على هذه المقدمة الضرورية فافتتح الكلام فيها بسؤالهم عن شركائهم هل فيهم من يهدي الى الحق؟ ومن البين ان لا جواب للمشركين في ذلك مثبتا اذ شركاؤهم سواء كانوا جمادا غير ذي حياة كالاوثان والاصنام ام كانوا من الاحياء كالملائكة وارباب الانواع والجن والطواغيت من فرعون ونمرود وغيرهما لا يملكون لانفسهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.
واذ لم يكن لهم في ذلك جواب مثبت فانهم لا يجيبون، ولذلك امر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يخلفهم في الجواب فيجيب في ذلك ـ اعني الهداية الى الحق ـ باثباتها لله سبحانه فقيل:(قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ) فان الله سبحانه هو الذي يهدي كل شئ الى مقاصده التكوينية والامور التي يحتاج اليها في بقائه كما في قوله:(رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه ـ 50)، وقوله:(الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الاعلى ـ 3) وهو الذي يهدي الانسان الى سعادة الحياة ويدعوه الى الجنة والمغفرة بانه بارسال الرسال وانزال الكتب وتشريع الشرائع وامرهم ببث الدعوة الحقة الدينية بين الناس.
ثم قال: واذ تحقق انه ليس من شركائهم من يهدي الى الحق ، وان الله سبحانه يهدي الى الحق سالهم بقوله:(أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى)؟ ان يقضوا في الترجيح بين اتباعه تعالى واتباع شركائهم وهو تعالى يهدي الى الحق وهم لا يهدون ولا يهتدون الا بغيرهم ، ومن المعلوم ان الرجحان لمن يهدي على من لا يهدي اي لاتباعه تعالى على اتباعهم، والمشركون يحكمون بالعكس، وذلك لامهم ووبخهم بقوله:(فما لكم كيف تحكمون)؟.
والتعبير في الترجيح في قوله:(احق ان يتبع) بأفعل التفضيل الدال على مطلق الرجحان دون التعين والانحصار مع ان اتباعه تعالى حق لا غير واتباعهم لا نصيب له من الحق انما هو بالنظر الى مقام الترجيح، وليسهل بذلك قبولهم للقول من غير اثارة لعصبيتهم وتهييج لجهالتهم.
.. وللحلقة تتمة.

هلال اللواتي

إلى الأعلى