الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الاعجاز في الزكاة (1)

الاعجاز في الزكاة (1)

عزيزي القارئ: القرآن هو مصدر التشريع الأول في الإسلام, ولقد احتوى على تشريعات حكيمة وأحكام قويمة تقي الإنسان من التخبط في حياته, رحمة من الله وفضلاً منه على هذا الانسان, وتحقيقاً لسعادته في الدنيا والأخرى.
الزكاة هي العبادة المالية الأولى والركن الثالث من أركان الإسلام, شرعها الله على عباده لعباده كلحمة مالية اجتماعية, تحقق التكافل الاجتماعي بينهم, يسوده المحبة لا العداء, التكافل والتراحم لا الفقر والحاجة المذلة والانفكاك, اقتصاد نامٍ متنقل منتج لا راكد جاث على ركبيه, السعادة لا البؤس والأحزان, فهي معجزة تشريعية لم تستطع التشريعات البشرية ولن تستطع الإتيان بمثلها بما تحمله من خواص وآثار وفوائد وما في طبيعتها من تطبيقات دقيقة وما بها من تحصيلات مالية هائلة بشكل يومي, تجعل اقتصاد المجتمع في حركة دائمة وشاملة.
وتفترق الزكاة عن الضرائب في كونها تلحق بالمال لا بالشخص, وتفترق الزكاة عن الضمان الاجتماعي في كونا تكافلية تؤخذ من الاغنياء وترد إلى الفقراء بينما يكون الضمان الاجتماعي من ميزانية الدولة.
إن الناظر في المال المزكى, يجده على نوعين: الأول: ثروة لم تتحول إلى أصل رأسمالي منتج, والثاني: دخل من ثروة تحولت إلى أصل رأسمالي منتج, ومثال الأول: الذهب والفضة والنقود وعروض التجارة والثروة الحيوانية وركاز المعادن, بينما يمثل الثاني بالزورع والثمار, وتعتبر عروض التجارة من الثروات الغير منتجة لأنها عبارة عن أصول متنقلة كالسيارات ومواد البناء والأدوات الكهربائية والميكانيكية, وهي قبل بيعها لا تكون منتجة, وقد يتكلم البعض بعدم اشتمال الزكاة للرؤوس المالية الحديثة كالمصانع والعقارات المؤجرة والأسهم والشركات المختلفة, لكن الناظر فيها يتوصل إلى أنها عبارة عن ثروات مالية تحولت إلى أصول منتجة فأصبح لها مداخيل, فدخلت في الزكاة شأنها شأن الثمار لكنها حولية أما الثمار فتؤدى زكاتها وقت الحصاد, إذاَ أموال المزكاة تستوعب كل ما ستجد من ثروات ومداخيل, مما يعطي ذلك شمولية الزكاة وبالتالي نمو حجم التحصيلات الزكوية.
ويشترط في المال المزكى أن يكون حلالاً ومملوكاً وقابلاً للنماء, مع بلوغه النصاب الذي يؤمن لصاحبه سداد حاجيته الحياتية ويفضل عن ذلك بحيث يُدْخله في عداد الأغنياء.
والناظر في أن الرأسمال المنتج ـ أي الذي له دخل ـ لا تفرض الزكاة على العين وإنما على الدخل, وفي ذلك حفاظ على رؤوس الأموال المنتجة, بل وعلى الزيادة وبالتالي تزيد المداخيل ـ أو الدخول ـ وبالتالي يتقدم اقتصاد المجتمع.
إن الاقتصاد المتقدم للمجتمع من صفاته الحجم الرأسمالي الكبير, ومعدل الادخار العالي, وهذا ما تحققه الزكاة, فالزكاة تؤدي إلى زيادة تحويل الثروات العاطلة (غير المنتجة) إلى أصول رأس مالية منتجة, وبالتالي يزدادها عددها بزيادة الزكاة, وبمعنى آخر يزداد معدل التراكم المالي, إن هذه النتيجة لم تحصل من دون شيء وإنما عمل أفرغته الزكاة فيها, حين حافظت على الادخارات لأن مقدار الزكاة بالنسبة إلى الأموال المزكاة هو قليل جداً, أضف إلى ذلك أن معظم تلك الثروات في تكاثر مستمر, هذه الادخارات المتزايدة معناها تقليل حجم الاستهلاكات لأنهما متعاكسان, ومن الادخارات ـ واقصد بها الثروات غير المنتجة ـ تأتي الاستثمارات فالزكاة نفسها استثمار, فهي الطهارة والنماء للأموال لأن المال المزكى تنتج منه زكاة للمستحق, ومن زيادة الاستثمارات تزداد مقدار الثروات العاطلة المتحولة إلى ثروات منتجة والتي بدورها تساهم في تقدم المجتمع, فالثروات العاطلة اذاً في تناقص مستمر, فلو لم تُستثمر تلك الثروة لتناقص حجمها بالزكاة حتى تبلغ مقداراً تحت النصاب حينها لا تجب الزكاة فيها, أي يكون صاحبها فقير نوعاً ما, وفي هذا دافع لكل شخص في أن يدخر ويستثمر ما اذخره حتى لا يفتقر, والزكاة لا تكون إلا في المال الحلال, مما تربي على الاستثمار في المال الحلال, بالعملية السابقة الذكر.
* المصدر:(الإعجاز التشريعي في الزكاة .. أوجهه ومعاييره ودلالاته الاجتماعية) للاستاذ الدكتور رفعت السيد العوضي.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى