الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نفحة رمضانية مباركة (27)

نفحة رمضانية مباركة (27)

أيها الصائمون والصائمات: شرف ربنا جل شأنه شهر رمضان بليلة مباركة, ذات فضل زاخر وخير وافر, ونفحات وفيوضات وتجليات تلكم هي ليلة القدر المباركة.
وقد سجل رب العزة ـ جل شأنه ـ فضل تلك الليلة في القرآن الكريم, وأشاد بعلو مكانتها وسمو منزلتها نبينا العظيم, وهذه الليلة المباركة الكريمة هدية من الله جل جلاله الى أمة محمد (صلى الله عليه وسلم), وهي من خصائص هذه الأمة المحمدية, ولم تكن لأمة قبلها, وهذا فضل من الله ونعمة, وستظل تأتينا تلك الليلة بخيرها وفضلها, وبركاتها ونفحاتها, وقدرها وشرفها, ستظل تأتينا في رمضان من كل عام, إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومن فضل الله سبحانه أنه جعل ثواب العمل الصالح في هذه الليلة خيراً من ثواب العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر, ولقد كان رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حين يجيء الثلث الأخير من شهر رمضان يقترب إلى الله تعالى بمزيد من العبادة, ويشمر عن ساعد الجد في دنيا الطاعة, ويقبل على ربه بألوان مختلفة من العبادة.
كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يبذل كثيراً من ألوان العبادة في الثلث الأخير من هذا الشهر, لأن هذا الثلث وعاء لتلك الليلة, وقد كان اجتهاده ـ عليه الصلاة والسلام ـ في هذه الفترة راجعاً الى ما في هذه الفترة الزمنية من خير عظيم وأجر كبير وثواب أعظم, وفضل أوفر من الله تبارك وتعالى.
ولقد كان أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ يقتدون به في الاجتهاد في عبادة الله في تلك الفترة التي احتضنت ليلة القدر, وكانوا يتنافسون فيما بينهم في هذا الميدان, ويتسابقون في مجال الخير والطاعة, علهم يصادفون ليلة القدر المباركة, التي ميزها الله عن غيرها من الليالي بفضائل شتى, وحسبها شرفاً وفضلاً وتقديراً وتكريماً, أن الله أنزل فيها على رسوله بغار حراء أول باقة من القرآن الكريم, حيث نزل جبريل ـ عليه السلام ـ بقول الله تعالى:(اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم) (العلق 1 ـ 5).
هذا أول الغيث ثم تتابع الخير, وتم إنزال القرآن الكريم الذي هو شفاء وهدى ورحمة للمؤمنين في العام الثالث والعشرين من بعثته ـ عليه الصلاة والسلام ـ كما أن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن جملة واحدة في هذه الليلة الى السماء الدنيا حيث وضع في بيت رب العزة, وفي القرآن الكريم دعائم السعادة الدنيوية والأخروية للبشرية, وهو النعمة الكبرى والهداية العظمى للإنسانية , ومن فضائل ليلة القدر المباركة ,انها خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر, وهي الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم وفيها تهبط الملائكة من السماء الى الأرض فتحيي الطائعين, وتلقي السلام على العابدين, ويستمر تكريم الملائكة لعباد الله الصالحين الى أن يطلع الفجر, وحينئذٍ تصعد الى السماء بأمر الله سبحانه وتعالى, وتكريماً لهذه الليلة من الله أنزل الخالق سبحانه وتعالى في القرآن الكريم سورة سماها (القدر), وبين فيها ما لهذه الليلة من عظمة وفضل, وما تمتاز به من نزول الرحمات الالهية, والفيوضات الربانية, والعطايا السماوية, وتلك هي سورة القدر التي تبرز فضل هذه الليلة:(إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما ادراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر) (القدر 1 ـ 5).
وقد ورد في سبب نزول تلك السورة أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ذكر للصحابة أن رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر, فعجب المسلمون من ذلك أشد العجب, وتمنوا أن يكونوا مثل هذا الرجل, فأنزل الله تعالى هذه السورة الكريمة, وبين فيها أن ليلة القدر خير من ألف شهر, التي لبس فيها ذلك الرجل الصالح سلاحه في سبيل الله, وقيل: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذكر لأصحابه أن أربعة من بني اسرائيل عبدوا الله ألف شهر, ولم تحدث منهم خلال هذه المدة معصية, فعجب أصحاب رسول الله, وتمنوا أن يكونوا كهؤلاء في العبادة وعدم المعصية, وفي فترة طويلة كهذه الفترة, فنزل سفير الوحي جبريل ـ عليه السلام ـ من السماء على رسول الله, وقال له: عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر, فقد أنزل الله خيرا من ذلك, وقرأ عليه سورة القدر, وقال له: هذا أفضل مما عجبت منه أنت وأمتك, فسر الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ كل السرور, وفرح المسلمون أشد الفرح.
وليلة القدر على أصح الأقوال في الوتر في العشر الأخير من شهر رمضان, وقد قال الرسول ـ عليه الصلاة والسلام:(التمسوها في العشر الأواخر من الوتر) والأصح كذلك أنها في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك.
أيها الاخوة والأخوات: إن ليلة القدر ليلة غراء, وهي درة في جبين الزمن , لما تزخر به من خير عظيم وفضل من الله عميم, وهي فرصة ذهبية للأمة المحمدية, فليكن هناك اهتمام كبير بها, ولتكن وعاء لعبادتنا وتقربنا الى الله بطاعته وذكره وشكره والوفاء معه, ولنعمل فيها عملاً صالحاً يسجل في ميزان حسناتنا ونحظى من الله بأرفع الدرجات وأعظم المكافآت وألوان العمل الصالح كثيرة, فهناك قراءة القرآن, وهناك الصلاة التطوعية, والذكر والتسبيح والدعاء, وغير ذلك من الألوان الأخرى, وغذا كان العمل الصالح في غير ليلة القدر مطلوب, فهو في ليلة القدر ألزم وأوجب, وإذا كان الثواب من الله على العمل الصالح عظيم, فهو في ليلة القدر أعظم وأكبر, فلينتهز المسلمون هذه الليلة المباركة, وليعمروها بالعمل الصالح, وليكن لنا أسوة حسنة بالرسول الكريم في إحياء تلك الليلة المباركة, بما يقرب الى الله, وبما يؤدي الى رضاه والى رحماته وفيوضاته, وهطول النفحات والمكافآت, والله نسأل أن يجعل هذه الليلة شاهداً لنا لا علينا, لصالح العمل وعمل الخير, إنه سميع قريب.

اعداد/ علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى