الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / شبابنا وصناعة رأس المال الاجتماعي “1″

شبابنا وصناعة رأس المال الاجتماعي “1″

تقوم الأمم والحضارات سواء أكانت في العصور السابقة أو اللاحقة وفي أي زمان ومكان على ثلاث دعائم رئيسية هي: رأس المال المادي أو الطبيعي ورأس المال البشري أو الفكري ورأس المال الاجتماعي. ولكل أمة لها نسبة تزيد أو تقل من هذه الثروات الثلاث. إلا أن رأس المال الاجتماعي يظل أهمها على الاطلاق، حيث ينظر إليه بصفته الثروة التي لا تنضب والذهب الابيض المتجدد والمورد النفيس والأغلى في القرن الحالي ،فلو تلاشت الثروات المالية وأضمحلت الثروة الفكرية فإن المجتمع سيظل صامدا بامتلاكه رأس المال الاجتماعي، فهو العلاج لجميع المشكلات العامة التي يصادفها المجتمع.
ويشيرتعريف رأس المال الاجتماعي في مفهومه العام إلى ” الرصيد الذي يمتلكه أي المجتمع من شبكة العلاقات الاجتماعية والقيم والأخلاق الفاضلة والسلوكيات التطوعية ومبادئ الايثار والتعاون والتكافل ، تجتمع معا لتؤثر بشكل إيجابي على التنمية والنهوض بالمجتمع وبشكل إرادي وتلقائي”، ولقد ظهرهذا المفهوم في القرن التاسع عشر في المجتمع الغربي كردة فعل للنزعة الرأسمالية التي سادت المجتمع والتي خلفت وراءها الكثير من الأضرار الاجتماعية، فجعلت هوة الفقر والتشرد تزداد والهوة بين طبقات المجتمع تتسع ،مما دعا المفكرين لمعالجة هذا الأمر لجعل مجتمعاتهم اكثر تعاونا وتكافلا ، عبر تبني صناعة رأس المال الاجتماعي ،إلا أن هناك حقيقة يجب ذكرها بأن المبادئ والتعاليم الاسلامية عرفت هذا المفهوم منذ صدر الاسلام ، فهي تصب في تجاه مكونات رأس المال الاجتماعي. وفي حين أهملنا نحن العرب هذه التعاليم ، ادرك العالم الغربي أهميتها لدرجة جعل بعض العقوبات عبارة عن ساعات عمل يقوم بها الفرد للمنفعة العامة وبدون أجر بدلا من دخوله المؤسسة العقابية.
والمتأمل في التجربة اليابانية خير دليل على أهمية صناعة رأس المال الاجتماعي فبعد أن خرجت من الحرب العالمية الثانية اقل ما توصف بانها دولة محطمة ، شرع القادة اليابانيون بوضع الخطط والبرامج في بناء الانسان الياباني مرتكزين على تعظيم رأس المال الاجتماعي عبر ترسيخ التعاون والاحترام و القيم والاخلاص والتفاني في العمل والشعور العميق بالمسؤولية الجماعية، وأن كل فرد في المجتمع له وعليه حقوق وواجبات تجاه مجتمعه ، وعليه واجب في بناء وتطوير المجتمع، بدءا من الشارع الذي يقطن فيه .
بالنظر الى واقع شبابنا العماني أوضح المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في تقريره عن سكان السلطنة لعام 2013 أن ما نسبته 67% من مجمل العمانيين هم دون الثلاثين سنة، و أن الشباب العماني في الفئة العمرية من ( 15-24 سنة) يشكلون 22% من إجمالي العمانيين ، وذلك يعني بأن نسبة الشباب في تزايد سنة بعد سنة باعتبار المجتمع العماني مجتمع فتي.اذا نحن امام فئة يجب رعايتها واعدادها من أجل تقديمها للمجتمع بعد أن يتسلح بالعلم والمعرفة والقيم وفضائل الاخلاق الحميدة وجعله جزءا فاعلا في مجتمعه ومتفاعلا مع محيطه العام.
لا شك بأن المتغيرات التي فرضتها ضرورات الحياة ومتطلباتها على المجتمع العماني خلال العقد الاخير شكلت تغير في كثير من انماط السلوك والاتجاهات ، مما حمل معه بعض الجوانب السلبية في اساليب التربية ، ومع تغير في بنية الأسرة العمانية نتيجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية ، جعلت من الطبيعي أن يكون هناك جيل مختلف عن سابقيه، ولعلماء الاجتماع قول في هذا الامر حيث قالوا ” نجد أن كل جيل ينشق عن مبادئ الجيل السابق ويصنع لنفسه مبادئ جديدة تناسب متطلبات عصره، حتى يأتي جيل آخر فيقوم بدوره بتغيير هذه المبادئ ” وهذه المعطيات حدثت وما زالت تحدث في كل المجتمعات العربية، وخاصة بعد أن أصاب الهرم التربوي خلل من كون مصدر التربية والمعلومة هما الاسرة والمؤسسات التعليمية، اصبحت هذه المصادر على الارجح تأتي من الشارع والاصدقاء ومواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية ثم التلفاز واخيرا الاسرة. هذه التغيرات والاختلالات ومقدارها وتأثيراتها على المجتمع العماني سؤال موجه الى اختصاصيي الاجتماع والتربويين في السلطنة لتقصي هذا الأمر بصورة جلية. وإن كان الرصيد الذي يمتلكه المجتمع العماني من الفضائل الأخلاقية والعادات والتقاليد وتعاليم الاسلام السمحة جعلته محصنا لعدة قرون من عوالم وفضاءات التفسخ الحضاري والثقافي والعولمة في شقها السلبي، فهل نستطيع القول بأن الجيل الحالي من شبابنا محصن من تلك التجاذبات؟، وهل رصيدنا هذا بدأ في النفاد ؟… يتبع …2

خالد بن عبدالله العبري
باحث وكاتب
alabri.2020@hotmail.com

إلى الأعلى