الخميس 17 أغسطس 2017 م - ٢٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ذكر الله .. وفضله (2)

ذكر الله .. وفضله (2)

وليس للقلوب قرار ولا طمأنينة ولا هناءة ولا لذة، ولا سعادة إلا بذكر الله تعالى، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد ـ 28)، ذكر الله تعالى هو الفرج بعد الشدَّة، واليسر بعد العسر، والفرح بعد الغم والهم، وهو تفريج الكربات، وتيسر الأمور، وتحقق الراحة والسعادة في الدنيا والآخرة، وما عولج كرب ولا أزيلت شدَّة بمثل ذكر الله تبارك وتعالى.
وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): (يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً، وَإِنْ أتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)، وَعَنْ أبِي مُوسَى ـ رَضيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم):(مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ) ـ أخرجه البخاري، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وسلم) يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ فَقَالَ:(سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ المُفَرِّدُونَ) قَالُوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ الله! قَالَ:(الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتُ) ـ أخرجه مسلم، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدالله ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ أَنّهُ سَمِعَ النّبِيّ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ:(إِذَا دَخَلَ الرّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشّيْطَانُ: لاَ مَبِيتَ لَكُمْ وَلاَ عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ الله عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالعَشَاءَ) ـ أخرجه مسلم، عَبْدِالله بْنِ بُسْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ شَرَائِعَ الإسْلاَمِ قَدْ كَثرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبرْنِي بشَيْءٍ أَتَشَبَّث بهِ، قَالَ: (لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ الله) ـ أخرجه الترمذي وابن ماجه، وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ (صلى الله عليه وسلم):(أَلاَ أُنَبئُكُمْ بخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذهَب وَالوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟) قَالُوا: بَلَى. قَالَ:(ذِكْرُ الله تَعَالَى) ـ أخرجه الترمذي وابن ماجه. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أحْيَانِهِ. أخرجه مسلم .
من أقوال السلف في ذكر الله تعالى:
قال معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه:(ليسَ يَتَحَسَّرُ أهلُ الجنَّة على شيءٍ إلّا ساعةً مَرَّة بهم ولم يذكروا الله تعالى فيها!) ، وقال مالك بن دينار:(مَا تَنَعَّمَ المُتَنَعِّمُونَ بِمِثْلِ ذِكْرِ الله تَعَالى)، وقال ابن القيم:(إنَّ العبدَ ليأتي يومَ القيامةِ بسيئاتٍ أَمْثَالَ الجبالِ فَيَجِدُ لِسَانَهُ قد هَدَمَهَا مِن كَثْرَةِ ذِكْرِ الله تعالى)، وقال مجاهد:(مَنِ استطاعَ ألَّا يبيتَ إلَّا طَاهراً ذاكراً مُسْتَغفراً فليفْعَل فإنَّ الأرْوَاحَ تُبْعَثُ على ما قُبِضَتْ عَلَيهِ)، وقال أحد الصالحين:(مَا أَعْلَمُ مَعْصِيَةً أقبحُ مِن تَرْكِ ذِكْرِ الله تعالى)، وقال ابن القيم:(وَأَفْضَلُ الذِّكْرِ وَأَنْفَعَهُ مَا وَاطَأَ فِيهِ الْقَلْبُ اللِّسَانَ، وَكَانَ مِنَ الْأَذْكَار النَّبَوِيَّة وَشَهِدَ “تَفَكَّرَ” الذَّاكِرُ مَعَانِيهِ ومَقَاصِدَهُ)، وقال العلماء:(مِن عَلامَاتِ النِّفَاقِ ثِقَلُ الذِّكْرِ على اللِّسان، فَتُبْ إلى الله تعالى يَخِفُّ الذِّكْرُ على لِسَانِكَ)، وقال لقمان:(إِنَّ مَثَلَ أَهْلِ الذِّكْرِ وَالغَفْلَةِ كَمَثَلِ النُّوْرِ وَالظُّلْمَةِ)، وقال الرَّبيعُ بن خُثَيم:(أَقْلِل الكَلَامَ إلّا مِنْ تِسْعٍ: تَكْبيرٍ، وتهلِيلٍ، وتَسْبيحٍ، وتَحْمِيدٍ، وسُؤَالِكَ الخَيرَ، وتَعَوّذِكَ مِنَ الـشَّرّ، وأمْرِكَ بالمعروفِ، ونَهْيِكَ عَنِ المُنْكَرِ وقِرَاءَتِكَ القُرْآنَ).
* من فوائد الذكر:
إحداها: أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره، والثانية: أنه يرضي الرحمن عز وجل، والثالثة: أنه يزيل الهم والغم عن القلب، والرابعة: أنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط، الخامسة: أنه يقوي القلب والبدن، والسادسة: أنه ينور الوجه والقلب، والسابعة: أنه يجلب الرزق، والثامنة: أنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة، والتاسعة: أنه يورثه المحبة التي هي روح الإسلام، والعاشرة: أنه يورثه المراقبة حتى يدخله في باب الإحسان، والحادية عشرة: أنه يورثه الإنابة، وهي الرجوع إلى الله عز وجل، والثانية عشرة: أنه يورثه القرب منه، والثالثة عشرة: أنه يفتح له باباً عظيماً من أبواب المعرفة، والرابعة عشرة: أنه يورثه الهيبة لربه عز وجل وإجلاله، والخامسة عشرة: أنه يورثه ذكر الله تعالى له، كما قال تعالى:(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (البقرة ـ 152)، والسادسة عشرة: أنه يورث حياة القلب، والسابعة عشرة: أنه قوة القلب والروح، والثامنة عشرة: أنه يورث جلاء القلب من صدئه، والتاسعة عشرة: أنه يحط الخطايا ويذهبها، فإنه من أعظم الحسنات، والحسنات يذهبن السيئات، والعشرون: أنه يزيل الوحشة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى، والحادية والعشرون: أن ما يذكر به العبد ربه عز وجل من جلاله وتسبيحه وتحميده، يذكر بصاحبه عند الشدة، والثانية والعشرون: أن العبد إذا تعرف إلى الله تعالى بذكره في الرخاء عرفه في الشدة، والثالثة والعشرون: أنه منجاة من عذاب الله تعالى، والرابعة والعشرون: أنه سبب نزول السكينة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة بالذاكر، والخامسة والعشرون: أنه سبب إشتغال اللسان عن الغيبة، والنميمة، والكذب، والفحش، والباطل، والسادسة والعشرون: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين، والسابعة والعشرون: أنه يؤمّن العبد من الحسرة يوم القيامة، والثامنة والعشرون: أن الاشتغال به سبب لعطاء الله للذاكر أفضل ما يعطي السائلين، والتاسعة والعشرون: أنه أيسر العبادات، وهو من أجلها وأفضلها، والثلاثون: أن العطاء والفضل الذي رتب عليه لم يرتب على غيره من الأعمال، والحادية والثلاثون: أن دوام ذكر الرب تبارك وتعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه و معاده، والثانـية والثلاثون: أنه ليس في الأعمال شيء يعم الأوقات والأحوال مثله، والثالثة والثلاثون: أن الذكر نور للذاكر في الدنيا، ونور له في قبره، ونور له في معاده، يسعى بين يديه على الصراط، والرابعة والثلاثون: أن الذكر رأس الأمور، فمن فتح له فيه فقد فتح له باب الدخول على الله عز وجل، والخامسة والثلاثون: أن في القلب خلة وفاقة لا يسدها شيء البتة إلا ذكر الله عز وجل، والسادسة والثلاثون: أن الذكر يجمع المتفرق، ويفرق المجتمع، ويقرب البعيد، ويبعد القريب. فيجمع ما تفرق على العبد من قلبه وإرادته، وهمومه وعزومه، ويفرق ما اجتمع عليه من الهموم، والغموم، والأحزان، والحسرات على فوات حظوظه ومطالبه، ويفرق أيضاً ما اجتمع عليه من ذنوبه وخطاياه وأوزاره، ويفرق أيضاً ما اجتمع على حربه من جند الشيطان، وأما تقريبه البعيد فإنه يقرب إليه الآخرة، ويبعد القريب إليه وهي الدنيا، والسابعة والثلاثون: أن الذكر ينبه القلب من نومه، ويوقظه من سباته، والثامنة والثلاثون: أن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمر إليها السالكون، والتاسعة والثلاثون: أن الذاكر قريب من مذكوره، ومذكوره معه، وهذه المعية معية خاصة غير معية العلم والإحاطة العامة، فهي معية بالقرب والولاية والمحبة والنصرة والتوفيق، والأربعون: أن الذكر يعدل عتق الرقاب، ونفقة الأموال، والضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل، والحادية والأربعون: أن الذكر رأس الشكر، فما شكر الله تعالى من لم يذكره، والثانية والأربعون: أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطباً بذكره، والثالثة والأربعون: أن في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى، والرابعة والأربعون: أن الذكر شفاء القلب ودواؤه، والغفلة مرضه، والخامسة والأربعون: أن الذكر أصل موالاة الله عز وجل ورأسها والغفلة أصل معاداته ورأسها، والسادسة والأربعون: أنه جلاب للنعم، دافع للنقم بإذن الله، والسابعة والأربعون: أنه يوجب صلاة الله عز وجل وملائكته على الذاكر، والثامنة والأربعون: أن من شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا، فليستوطن مجالس الذكر، فإنها رياض الجنة، والتاسعة والأربعون: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، ليس لهم مجالس إلا هي، والخمسون: أن الله عز وجل يباهي بالذاكرين ملائكته، والحادية والخمسون: أن إدامة الذكر تنوب عن التطوعات، وتقوم مقامها، سواء كانت بدنية أو مالية، أو بدنية مالية، والثانية والخمسون: أن ذكر الله عز وجل من أكبر العون على طاعته، فإنه يحببها إلى العبد، ويسهلها عليه، ويلذذها له، ويجعل قرة عينه فيها، والثالثة والخمسون: أن ذكر الله عز وجل يذهب عن القلب مخاوفه كلها ويؤمنه، والرابعة والخمسون: أن الذكر يعطي الذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يطيق فعله بدونه، والخامسة والخمسون: أن الذاكرين الله كثيراً هم السابقون من بين عمال الآخرة، والسادسة والخمسون: أن الذكر سبب لتصديق الرب عز وجل عبده، ومن صدقه الله تعالى رجي له أن يحشر مع الصادقين، والسابعة والخمسون: أن دور الجنة تبني بالذكر، فإذا أمسك الذاكر عن الذكر، أمسكت الملائكة عن البناء، والثامنة والخمسون: أن الذكر سد بين العبد وبين جهنم، والتاسعة والخمسون: أن ذكر الله عز وجل يسهل الصعب، وييسر العسير، ويخفف المشاق، والستون: أن الملائكة تستغفر للذاكر كما تستغفر للتائب، والحادية والستون: أن الجبال والقفار تتباهي وتستبشر بمن يذكر الله عز وجل عليها، والثانية والستون: أن كثرة ذكر الله عز وجل أمان من النفاق، والثالثة والستون: أن للذكر لذة عظيمه من بين الأعمال الصالحة لا تشبهها لذة، والرابعة والستون: أن في دوام الذكر في الطريق، والبيت، والبقاع، تكثيراً لشهود العبد يوم القيامة، فإن الأرض تشهد للذاكر يوم القيامة.
* (المصدر: مراجع عديدة).

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري

إلى الأعلى