السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (28)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (28)

السجع :
يقع بعض الخطباء وفقهم الله لكل خير في عادة مذمومة جمعت مذمتين ألا وهي عادة السجع المتكلف في الخطب، حيث يجمع مذمتين إحداهما ترادف الكلمات بحيث تصبح الخطبة حشواً يغني عنه كلمة أو كلمات، والأخرى كون السجع مذموماً في بعض الأحوال.
ومما يدل على ذم السجع ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه:(.. وفيه وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف يغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل!)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إنما هذا من إخوان الكهان ..) (متفق عليه)، وقد أخذ العلماء من هذا الحديث أن السجع مكروه لسببين، الأول: إذا عورض به حكم الشرع كما في الحديث، والثاني: إذا تكلفه المخاطب في مخاطبته، وأما إذا لم يتكلفه فإنه لا يكره، وعلى هذا يحمل ما ثبت عنه (صلى الله عليه وسلم) في غير ما حديث من الأحاديث التي ورد فيها السجع.وثبت عن عائشة أنها قالت لكاتب:(إياك والسجع فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه كانوا لا يسجعون) (رواه أحمد بإسناد صحيح)، وثبت في البخاري عن ابن عباس وفيه:(وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه لا يفعلون ذلك) قلت: وهذا كله محمول على التكلف في السجع. وأسوأ من السجع، الإتيان بمفردات صعبة أو غير معروفة عند العوام كالأتيان ببعض عبارات الفلاسفة أو المتكلمين مما لم يألفها العامة أو بعبارات لايفهمها إلا المتخصصين من أهل العلم أو الإتيان ببعض أمثال العرب التي لها قصة قد تخفى على الكثير من الخواص فضلا عن العوام، فيفوت المقصود من ضرب المثل للعبرة والاتعاظ كاستشهاد احدهم بقوله:(لقد أضحى المؤمن اليوم: أهون من قعيس على عمته) (انظر قصة المثل في: موسوعة أمثال العرب الجزء الثالث صفحة 249).
وقت الخطبة:
يلحظ على بعض الخطباء وفقني الله وإياهم وجميع إخواننا المسلمين أنهم يلتزمون في دخولهم إلى المنبر وقتا واحدا على مدار السنة، ولو اختلف التوقيت فزاد أو نقص، وهذا فيما يظهر لي أنه ليس بجيد لعدة أمور: الأمر الأول: أن فيه خروجاً من خلاف أهل العلم في وقت الجمعة: وهل هو بعد الزوال أم قبله، أم مع الزوال؟
الأمر الثاني: أن هذا فيه مشقة على الناس، فلو نظرنا مثلاً إلى وقت الظهر في مدينة مسقط هنا بالسلطنة .. لوجدنا أنه يختلف باختلاف الفصول فقد يدخل وقت الظهر في الساعة الحادية عشرة وخمسين دقيقة تقريباً كأدنى حدٍ له في السنة، وقد يصل إلى الساعة الثانية عشرة وخمس عشرة دقيقة تقريباً كأعلى حد له في السنة، ومع ذلك تجد بعض الخطباء يلتزم الدخول مطلقاً طوال العام في الساعة الثانية عشرة تقريباً، ومع أن وقت الزوال يبدأ في الساعة الحادية عشرة ونصف الساعة تقريباً، فيكون هناك زيادة نصف ساعة على الناس تثقل عليهم في مقابل قرب دخول وقت العصر، فيصبح الوقت بين الظهر والعصر قليلاً عند بعض المساجد التي تؤخر الصلاة، والذي ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) من حديث سلمة بن الأكوع أنه قال:(كنا نجمع مع النبي (صلى الله عليه وسلم) إذ زالت الشمس ثم نرجع فنتتبع الفيء) (أخرجه البخاري ومسلم)، وفي هذا دليل على التبكير بها في وقتها حسب اختلاف دخوله بالنسبة لفصول السنة .. والعلم عند الله تعالى.
السواك عند الخطبة:
اعتاد بعض الخطباء على أن يستخدم السواك إذ صعد المنبر وجلس للأذان، وهذا فيما أعلمه ليس من السنة، فإن ظن الخطيب أن الاستياك قبل الخطبة من السنة فهو بدعة، وأما إن كان يرى أن السواك لا يُحد بوقت، وقد يستحب عند تغيير رائحة الفم، فيقال إن كان كذلك فليحرص الخطيب على ألا يكون عند الصعود على المنبر، لئلا يظن الناس أنه سنة في ذلك الوقت والله أعلم.
الاعداد للخطبة:
بعض الخطباء لا يعد للخطبة إلا في صبح الجمعة أو قبلها بسويعات، والذي يفعل ذلك إن كان فعله له سبب يبيح ذلك له فالضرورة لها أحكامها، أما إذا كان ديدنه ذلك أو يقتلع إحدى الخطب ثم يلقيها من على المنبر، فهذا ممن لا يحمل دعوة ولا رسالة وإنما اتخذ المنبر عادة أو تكسباً، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فالواجب على الخطيب أن يضع جل همه وتفكيره في خطبة الجمعة، ويفرغ لها الوقت الطويل لإعدادها الإعداد المناسب، حتى تبرأ الذمة ويحصل المقصود، وقد بينت ذلك من قبل ولكني أعدت الكلام فيه لأنه من فقه الخطيب كما يظهر لي والله أعلم.
ترتيل بعض الآيات في الخطبة:
أشير إلى ما يفعله بعض الخطباء حين استشهادهم في خطبهم ببعض الآيات، حيث يقومون بترتيلها ولو كانت آيتين فأقل بل إن بعضهم لا يكاد بمر بآية! إلا ويرتلها، ومحط السؤال هنا هو أنني لم أجد حسب بحثي القاصر ما يدل على هذا من سنة النبي (صلى الله عليه وسلم)، بل إنني وجدت أحاديث كثيرة يستشهد فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) بآية من القرآن ولم يأت فيها ما يدل على أنه كان يرتلها، ومعلوم أن الترتيل إنما يكون عند التلاوة ويدل على ذلك قوله تعالى:(ورتل القرآن ترتيلاً) (المزمل ـ 4).
ولذا فإنني لا زلت أبحث جاهداً للوصول إلى نتيجة مقنعة تؤكد ما يذكره البعض من أن هذا بدعة في الخطب، إلا أن صعوبة التبديع تجعلني أتقاصر عن هذا البحث، ولكنني أقول: أذا وجد الخطيب أن ترتيل الآيات طريق لإقناع المستمعين واستمالتهم فليجعل هذا الأمر محدوداً جداً في خطبته وليقصره على الآية التي يقصد الاستدلال بها على ما يقول وليتجنب ما يفعله البعض من ترتيل كل الآيات حتى أن البعض قد يقطع انفعاله بالخطبة حرصاً منه على الترتيل، وبعضهم يرتل كل الخطبة!.
الاستعاذة عند قراءة آية في الخطبة:
ما يلتزمه بعض الخطباء في خطبهم من التغاير اللافت عند الاستشهاد بالآيات كذلك، حيث إن بعض الخطباء لا يزيد على قوله: قال الله تعالى:” .. “الآية، أو نحو ذلك، ولكنه إذا جاء يختم الخطبة بآية قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ الآية. ولا شك أن هذا لا وجه له لأمور: أحدها: أنه ليس قراءة، والله يقول:(فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) (النحل ـ 98)، والمراد بالقراءة هنا التلاوة، وثانيها: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يفعل ذلك حسب الاستقراء في استشهاداته بالآيات، وثالثها: أن مثل هؤلاء الخطباء يلتزم الاستعاذة في الآية الأخيرة، دون ما يسبقها من آيات، ولا شك أن هذا مثار الإشكال والنقد ، وبالله التوفيق.
استيعاب الخطبة للموضوع:
يخطئ بعض الخطباء الفهم حينما يظنون أن الخطبة يمكن أن تستوعب معظم الموضوعات التي يراد طرحها. وهذا من وجهة نظري ليس بصحيح؛ لأنه يوقع في سلبيات متعددة أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: الإكثار في الحشو من الأدلة والنقاط المتعلقة بالموضوع بحيث ينسي آخرها أولها، وكذلك لإطالة على المستمعين في الخطبة، ومن ثم خروجها عن المقصود وهو التخفيف ولذلك نجد بعض الخطباء قد يتجاوز الساعة فأكثر وهذا مشاهد، وأن المراد من طرح الموضوع هو التذكير والعظة وهذا يحصل من دون إطالة، بل يكفي التركيز على أساسيات الموضوع مع عدم لزوم الاستيعاب لأنه كما قيل: الحر تكفيه الإشارة.
،لكن هذا لايعني أن يتناول الخطيب موضوعاً، ثم لا يوفيه حقه من البحث والتفصيل ، بل المراد عدم التوسع والحشو الزائد الذي له مقام غير الخطبة.
استعمال اليد والإشارة بكثرة
اعتاد بعض الخطباء لا سيما المرتجل منهم أن يحرك يديه ويشير بهما يمنة ويسرة ويشتد التحريك عند الانفعال، ولأجل ذا كان من المناسب أن أشير إلى كلام أهل العلم في هذه المسألة، فأقول وبالله التوفيق: قال ابن قدامة في المغني بعد أن استحب الاعتماد على قوس أو سيف أو عصا وذكر الدليل على ذلك: ولأن ذلك أعون له، فإن لم يفعل، فيستحب أن يسكن أطرافه، إما أن يضع يمينه على شماله، أو يرسلهما ساكنين إلى جنبيه.أهـ.وقال النووي في المجموع بعد ذكر العصا أو السيف: قال أصحابنا ويستحب أن يشغل يده الأخرى بأن يضعها على حرف المنبر. قالوا: فإن لم يجد سيفاً أو عصاً ونحوه سكن يديه بأن يضع اليمنى على اليسرى أو يرسلهما ولا يحركهما، ولا يعبث بواحدة منهما، والمقصود: الخشوع والمنع من العبث، وقال الشوكاني عن الحكمة من اتخاذ العصا أو السيف حال الخطبة ما نصه: قيل والحكمة في ذلك الاشتغال عن العبث، وقيل: إنه أربط للجأش.
قال ابن تيمية في الاختيارات:(ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة، وهو أصح الوجهين لأصحابنا لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) إنما كان يشير بأصبعه إذا دعا، وأما في الاستسقاء فرفع يديه لما استسقى على المنبر)، قلت: ودليل ذلك ما روى حصين بن عبد الرحمن عن عمارة بن رؤيبة قال:(رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه فقال، أي عمارة، قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما يزيد أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة) رواه مسلم في صحيحه.
والمراد حال الدعاء .. وقد أوضحت من قبل كيفية استخدام الاشارة وأهميتها وما يجب مراعاته عند استخدام الإشارة والعلم عند الله تعالى .. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى