الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (25)

مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (25)

تقدم بنا الحديث في الحلقة السابقة حول الآية المباركة قال تعالى:(أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (يونس ـ 35).
وقلنا ان هناك امرين ينبغي الوقوف عندهما قليلاً، فوقفنا عند الامر الاول وهو ما ذكرته الآية المباركة مع ما تقدمها من الايات وهو امر التوحيد في الربوبية، وكيف ان القرآن الكريم يستخدم مع المشركين وسيلة التفكير الصحيحة ويدعوهم الى االمشي على مقتضياتها ومبانيها، كي يصلوا الى الحق باتباع هذه الحق.
وقد قدمنا كلام العلامة الطباطبائي في هذه المعنى، والذي بين ما تدعوه اليه بكل ثقة واعتزاز، واليوم نتحدث باذن الله تعالى عن الامر الثاني: وهو متعلق بالايتين المذكورتين آنفاً.
فلو لاحظنا الآية المباركة الاولى لما ان تتحدث وكانها تتحدث عن موضوع خارجي مشخص ، وعن مصداق معين، قال تعالى:(أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (يونس ـ 35).
لان الهداية لا تكون الا من خلال شخصٍ ما، فهو الهادي الى الحق، ولكن لما ان تاتي الاية التي تليها فاذا بنجد فيها سياقاً جديداً وان اتحد في مضامينه وهدفه .. اذ تحول الكلام من الحديث عن مصداق الهداية الحقيقي، وعن مصداق من يحتاج الى الهداية، وعن من ينبغي ان يكون الاتباع، وبمعنى آخر ان الحديث هنا في هذه الآية الكريمة هو عن المتلبس بالهداية وعن المتلبس بغير الهداية وعن التابع لهما، وعن ما ينبغي على الانسان ان يكون عليه في الحقيقة، الى الكلام عن مفهوم الظن، وليس عن المتلبس بالظن، قال تعالى:(وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (يونس ـ 36)، وقد ذكر العلامة الشيخ يوسف البحراني في كتابه:(الحدائق الناضرة 11 / 205)، قوله في الآية الشريفة فقال: وتقريب الاستدلال بالاية المذكورة انها خرجت مخرج الانكار على من يحكم بخلاف ذلك الذي هو مقتضى بديهة العقول السليمة كما يشير اليه قوله تعالى:(فما لكم كيف تحكمون).
وهنا نتساءل .. اهل هذا الالتفات من التشخص والتعيين المصداقي الى الحديث عن المفهوم كما هو ظاهر الاية المباركة حديث عن المصداق ايضا ام حديث عن المفهوم.
وبتعبير آخر .. فهل الآية الكريمة:(وما يتبع اكثرهم الا ظناً) كلام حول المفهوم بما هو مفهوم، انه كلام حول المصداق بما هو متلبس بالمفهوم، فالآية الكريمة الاولى في موضوع الهداية قد بينت ان الناس يبنغي ان تتبع الحق وهو الله سبحانه وتعالى، بقرينة أفمن يهدي الى الحق، فهو كلام عن المصداق الخارجي، الذي بيده امر الهداية، وليس الحديث هنا مفهوم الهداية بمعزل عن الهادي، واما في الاية الثانية في موضوع الظن، فاننا نجد الكلام حول نفس الظن، وان الناس تتبع الظن، ولا نجد هنا ذكر المصداق المتلبس بالظن والناس تتبعه.
فهنا نجد ورود احتمالين، الاحتمال الاول: ان الكلام في الايتين بين بيان المصداق كما في امر الهداية، وبين بيان المفهوم كما في امر الظن .. وان هذا الاسلوب وهو اسلوب الالتفات من حالة الى اخرى من الجهات البلاغية المعروفة فلا مانع من تحول الكلام من المصداق الخارجي الى المفهوم، والاحتمال الثاني: ان الكلام في حقيقته وان كان باستعمال اسلوب الالتفات من المصداق الى المفهوم الا انه في الحقيقة كلام عن المتلبس بالظن، فان القرآن الكريم يمكن ان يلحظ المرء ومستوى تلبسه بالفهوم فيتحدث عن الشخص باستعمال المفهوم فيخيل للتالي لآياته انه يتحدث عن المفهوم وليس عن المصدق.
ومن جملة المصاديق في الايات الكريمة قال تعالى:(إنه ليس من أهلك انه عمل غير صالح).
فالآية هناك كانت تتحدث عن ابن النبي نوح ـ عليه السلام ـ الا انها ذكرت:(انه عمل غير صالح)، فان الكلام هنا ليس الكلام عن العمل بما هو عمل بل الحديث هنا عن ابن النبي نوح نفسه وقد وصف القرآن الكريم ان ابن نوح بذاته عمل غير صالح لملاحظة الآية القرانية لذات هذا الابن الذي وصل الى درجة التلبس بالعمل الصالح بحيث اصبحا معاً وجوداً واحداً، وهذا الامر مبحوث في علوم الحكمة تحت عنوان: اتحاد العاقل والمعقول، ومبحوث في علم الاخلاق تحت عنوان: اتحاد الصفة والموصوف.
المهم هنا الان في معرض كلامنا اهل القرآن الكريم لما ان تحول الى الكلام حول مفهوم الظن كان لاحاظه المتلبس بصفة الظن ام ان لاحظه كان المفهوم بما هو مفهوم.
الجواب: ظاهر ما عليه مبنى المفسرين هو ان الحديث هو عن المفهوم، ولكن يمكن حمله على الثاني بعناية ما عليه المبنى القراني، والامر سهل ان شاء الله.
ونرجع الان الى بيان ما تحويه هذه الاية المباركة من كون الاكثرية تتبع الظن، وانه لا يغني من الحق شيئاً.
فنقول: أولاً: ان لفظة الظن الواردة في القرآن الكريم قد وردت على معنيين، المعنى الاول: بمعنى العلم، قال تعالى:(وذا النون اذ ذهب مغاضباً فظن ان لن نقدر عليه)، فقال الكثير من المفسرين: ان الظن هو بمعنى العلم، بقرينة النبوة المرافقة للنبي يونس ـ عليه السلام ـ وان الاية التي قالت (لن نقدر عليه) من الضيق ، قدر عليه رزقه اي ضيق عليه رزقه، والمعنى الثاني: بمعنى الظن المنطقي الذي لا تصل نسبة ما يعتقده المرء الى نسبة 100 % من اليقين، وهذا الظن المنطقي يكون عادة بين الشك والعلم.
.. وللموضوع تتمة.

هلال اللواتي

إلى الأعلى