الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من صفات المتقين .. قيام الليل وكثرة التهجد

من صفات المتقين .. قيام الليل وكثرة التهجد

أيها القراء الكرام ننتقل في مقال اليوم إلي صفة جديدة من صفات المتقين وهي قيام اللي أو صلاة الليل وكثرة التهجد فما المقصود بهذه الصفة؟ فأقول : ان قيام الليل من أجل الطاعات وأفضل القربات وقد ورد من الآيات والأحاديث في الترغيب فيه ما لا يحصى إلا بكلفة، وليس من شرط القيام من الليل أن ينام المسلم قبله، بل كل صلاة أوقعها المسلم بالليل فهي من قيام الليل، وهو مأجور ومثاب عليها ـ إن شاء الله.
ولفظتي (القيام)، و(الليل) جاءت لتكوّن التركيب اللفظي لمعنى هذه العبادة، (قيام الليل)، إذن لنعرف معنى القيام ومعنى الليل في اللغة التي جاء بها الأمر بهذه العبادة، بغض النظر عن مدلول هذا الأمر هل هو للوجوب أم للاستحباب والندب.
فالقيام يدل على الوقوف وهو بعكس الجلوس والراحة، لأن الإنسان يرتاح إذا جلس ويتعب إذا وقف، وفي هذا الأخير يكون التناسب طردياً، أي كلما زاد الوقوف زاد معه التعب، والعكس صحيح، يقول ابن منظور: القيامُ نقيض الجلوس(2)، أما الليل فهو واحد بمعنى جمع وواحدته لَيْلَةٌ مثل تمْرَةِ وتَمْرٍ، وقد جُمع على لَيَالٍ فزادوا فيه الياء على غير قياس، وليل ألْيُل شديد الظُّلمة وليلة لَيْلاءُ وليل لاَئِلٌ مثل شِعْر شاعر في التأكيد وعامله مُلايَلَةً مثل مُياومة(3)، وحد الليل: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر(4)، وأما ثلثه الأخير فيمكن تداركه لمن نام أوله بتقسيم الليل إلى ثلاث أجزاء فالثالث هو الثلث المرجو، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل يعطي هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له حتى ينفجر الصبح).
وقيام الليل: هو قضاء الليل ، أو جزءا منه ولو ساعة ، في الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله ، ونحو ذلك من العبادات , ولا يشترط أن يكون مستغرقا لأكثر الليل ، وقيل: معنى القيام أن يكون مشتغلا معظم الليل بطاعة , وقيل : ساعة منه , يقرأ القرآن أو يسمع الحديث أو يسبح أو يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ” )
وأما التهجد : فهو صلاة الليل خاصة ، وقيده بعضهم بكونه صلاة الليل بعد نوم، قال الحجاج بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه : ” يحسب أحدكم إذا قام من الليل يصلي حتى يصبح أنه قد تهجد , إنما التهجد أن يصلي الصلاة بعد رقدة , ثم الصلاة بعد رقدة , وتلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ” (قال الحافظ ابن حجروإسناده حسن)، فتبين بهذا أن قيام الليل أعم وأشمل من التهجد، لأنه يشمل الصلاة وغيرها ، ويشمل الصلاة قبل النوم وبعده، وأما التهجد فهو خاص بالصلاة، وفيه قولان : الأول : أنه صلاة الليل مطلقا ،والثاني أنه الصلاة بعد رقدة ، قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى : ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) الإسراء/97
“والتهجد: من الهجود، وهو من الأضداد ؛ يقال: هجد: نام ؛ وهجد: سهر على الضد.
أيها القراء الكرام :روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له))، وفي بعض الروايات:(هل من تائب فأتوب عليه))، وفي أخرى: ((من الذي استرزقني فأرزقه، من ذا الذي يستكشف الضر فأكشف عنه))، زاد مسلم: ((حتى ينفجر الفجر) نداء الرحمن، أتسمعون نداء الملك الديان، أتسمعون أم القلوب غافلة لاهية، من الذي ينادي على عباده إنه الله جل جلاله، إنه جبار الجبابرة، وقاصم ظهور القياصرة
هذا الحديث يبين الله – جل جلاله – أنه يحب من عباده القيام بين يديه في الثلث الأخير من الليل، وكونه أفضل الأوقات لسكون القلب وعدم انشغاله بغيره، ويشوقهم للقائه وقربه ومناجاته، ويحثهم على طلب فضله وجوده، وأنه يسمع دعائهم ويحثهم على الإكثار منه لقربه منهم وعلمه بحالهم وحاجتهم، وأنه قريب من كل داع يدعوه منهم فيتفضل عليهم بإجابته تفضلاً عليهم وإكراما، وأن من سأله أعطاه سؤله، أليس فينا من يحتاج للهداية إلى صراطه المستقيم، ومن يحتاج لقضاء دينه، ومن يحتاج لشفائه ورفع الضر عنه، ومن يحتاج أن يهدي الله له زوجته وأولاده، ومن يحتاج لمن يفرج همه وينفس كربه ويذهب عنه الضيق والحزن، أليس منا من هو مظلوم فينصره.
ووعد سبحانه أيضاً أن من استغفره وهبه مغفرته، وأفاض عليه بنفحات رحمته، أليس منا من كثرت ذنوبه، وظهرت عيوبه، وتعاظمت سيئاته، فهو الذي وعد ووعده الحق أنه من تاب إليه وأناب غفر له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر أو مثل الجبال، ولو كانت ملء الأرض كلها، وهو الذي وعد عباده التائبين بتبديل السيئات حسنات، أليس هو سبحانه الذي يفرح بتوبة عبده وأمته، ، ألا يحق لنا أن نفرح بذلك ونبادر بالقيام بين يديه، وأن نتلذذ بذكره والسجود بين يديه، فمن علم ذلك يقيناً بادر إلى ترك فراشه، وقام ليناجي حبيبه ووليه، ويتقرب إلى محبوبه الذي أفاض عليه بنعمه، ففي ذلك سعادة الدنيا والآخرة، وفي ذلك الزاد إلى الدار الآخرة التي وعد الله عباده القائمين بين يديه في خلواتهم أن لهم عنده في الجنان ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفي ذلك إشارة عظيمة لقرب الرب – جل وعلا – من عباده، وأنه يمن عليهم بعظيم فضله وجوده.
آه ثم آه .. لو يعلم المحروم سعادة من يناجي ربه،ويتلذذ بقربه، ويبكي بين يديه لمحبته له وشوقه، يرجو رحمته ويخاف عذابه، يرى السعادة كلها في القيام بين يديه لتلاوة كلامه، ويرى الفرح والسرور في تسبيحه وذكره، ويرى عظيم فضله في السجود بين يديه للتمتع بمناجاته وقربه، ويرى شجون القلب وفرحه بطاعته لربه، فيالها من سعادة لا ينالها إلا من صدق مع ربه، قال تعالى عنهم :(و الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ((المؤمنون)وقال أيضا :( وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً)(الفرقان) يكثرون من الاستغفار على قلة ذنوبهم .
فهؤلاء قوم مشغولون عن النوم المريح اللذيذ للنفس بما هو أروح منه وأمتع، مشغولون بالتوجه إلى ربهم، وتعليق أرواحهم وجوارحهم به، ينام الناس وهم ساجدون قائمون، ويخلد الناس إلى الأرض وهم يتطلعون إلى عرش الرحمن ذي الجلال والإكرام، وهم في قيامهم وسجودهم وتطلعهم وتعلقهم تمتليء قلوبهم بالتقوى والخوف من عذاب جهنم يقولون) : رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً((الفرقان(، فهذا الخوف النبيل إنما هو ثمرة الإيمان العميق وثمرة التصديق، وهم يتوجهون إلى ربهم في ضراعة وخشوع ليصرف عنهم عذاب جهنم، لا يطمئنهم أنهم يبيتون لربهم سجداً وقياما، فهم لما يخالج قلوبهم من التقوى يستقلون عملهم وعبادتهم ولا يرون فيها ضماناً ولا أمانا من النار إن لم يتداركهم الله بفضله وعفوه ورحمته. قال تعالى) : انُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ )(الذاريات)، قال الحسن:(لا ينامون من الليل إلا أقله كابدوا قيام الليل(
إن قيام الليل عبادة جليلة وقربة عظيمة لا يدركها إلا من علم حقارة الدنيا، وأنها متاع زائل حقير، لما سمع قول الله تعالى :(إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ((غافر), فباع دنياه الفانية بأخراه الباقية. وقال تعالى ): إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً((المزمل)
إن قيام الليل سمت الصالحين وقربة إلى رب العالمين، روى الترمذي من حديث أبي أمامة الباهلي – رضي الله عنه – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى ربكم ومغفرة للسيئات ومنهيات عن الإثم)، وروي عن الشافعي – رحمه الله – أنه كان يجزئ الليل، فثلثه الأول يَكْتُبُ، والثاني يُصَلِّي، والثالث يَنَامُ.
إن صلاة الليل سنة مؤكدة ثابتة بالكتاب والسنة، قال تعالى:( وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً((الإسراء)، ولقد أثنى الله تعالى على من يقوم الليل بالإيمان الكامل فقال : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ((السجدة)، قال الحسن البصري: أخفى القوم أعمالاً فأخفى الله تعالى لهم ما عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقال – صلى الله عليه وسلم -: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)؛ رواه مسلم، وقال أيضاً: (أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام(
وعنه – صلى الله عليه وسلم – قال: (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام) (رواه ابن حبان) .. أسأل الله ان يجعلنا ممن تتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً.

إعداد محمد عبد الظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى