الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / البِنية الصرْفية ودورها في كشف الدلالة القرْآَنية (6)

البِنية الصرْفية ودورها في كشف الدلالة القرْآَنية (6)

إن علماء الصرف يقولون: إن أصلها تثاقلتم بوزن تفاعلتم، ثم تسكن الثاء تبعًا لكسل المتحدَّث عنه، فإذا سكنت تعذَّر البدء بالساكن ، فاجتلبت تلك الحركة الارتكازية المسماة بألف الوصل؛ للتخلص من البدء بالساكن فتصير من: تَثَاقلتم إلى تْثاقلتم إلى اتْثَاقلتم، ثم نجد تاء ساكنة ، تتبعها ثاء متحركة بالفتح ، وفي ذلك صعوبة على اللسان، كصعوبة قيام المتثاقل عن الجهاد ، والمتخلي عن النفرة في سبيل الله، من الخوف وبحصل منه التمسك بالأرض، والتشبث الحياة ُ، فتبدل التاء ثاء لتماثل ما بعدها فتصير: اثْثَاقلتم بثاءين، أولاهما ساكن، وثانيهما متحرك، فتوجب اللغة إدغامهما في بعضهما ، فتصير الصيغة في النهاية :”اثَّاقلتم” بثاء واحدة مشددة، فيها من الصعوبة والبطء في النطق ما يتشابه مع تثاقل صاحبها الذي يُرفَع ليقوم ، فيتكاسل مسمتسكًا بالأرض، متثاقلا عن الجهاد ، فمراحل التغييرات الصرفية كأنها تشابه وتحاكي وتضارع حالاتِ الفعل: اثَّاقلتم، هذا المتنكب طريق الجهاد الذي تكاد تدور عيناه في مقلتيهما : هلعا وفزعا، وخوفا ووجلا من الموت، فهو يُقام به، فلا يقوم، ويُشَدُّ ليُرْتَفَعَ به إلى أعلى، فيتثاقل ، حتى يأخذ بيد مُعينه إلى الأرض ؛ لثقله، وتشبُّثه بالأرض ، فجاءت الصيغة الصرفية بتشكيلاتها ، وتغييراتها؛ لتبين لنا مراحل هذا الرجل الذي تمسَّك بالدنيا ، وبالأرض، وبحياة الدعة والسكون، ولم يسمع لنداء الله:” ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض”. فيالها من بنية أدت وظيفتها، ورسمت بتشكيلها دلالتها!!.
ومنه كذلك قوله تعالى:”حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازَّيَّنَتْ وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا…”، تلك الصيغة الصرفية التي تبين اتخاذ الأرض موضعَ زخرفها ، المتمثل في تحضرها ، وبلوغها شأوا بعيدا ، وتسنُّمها درجات الحضارة ، والسؤدد ، والمجد، فتجيء التغييراتُ الصرفية ؛ لتبرز طبيعة تلك التغييرات، وكأن كلَّ تغيير هو بمثابة حقبة زمنية ، خلعت فيها الأرض زخرفا، ولبست آخرَ، وتقلبتْ في ثياب التحضر التقني، والرقي العلمي، حتى إذا أخذت زينتها الأخيرة التي تظن معها أنها قد وصلت إلى امتلاك الأرض، وتسيير دفة الكون، وراحت كأنها أمسكت بزمام الأمر، فاجأتْها منازلُ الآخرة:” أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس”، جاءتها القدرةُ الإلهية القادرة المقتدرة ، فَسَوَّتْها بالأرض ، فعادت كأنها لم تكن، وما كان عليها أحد أو ديَّار، وصارت هباءً كأنْ لم تكن، وانظر إلى التغييرات الصرفية في كلمة: ” ازَّينت” ؛ لتعرف مراحل التطور الحضاري الذي بلغته الأرض في كل مرحلة وحقبة زمنية : طالت أو قصرت، هكذا:
أصلها: تَزَيَّنَتْ ، ثم اتْزيَّنت، ثم سكنت التاء الأولى، فصارت تْزَيَّنت، ثم اجتلبت ألف وصل للتخلص من النطق بالساكن، فصارت: اتْزَيَّنَتْ، ثم قلبت التاء زايا لتشاكل الزاي بعدها: “ازْزَيَّنَتْ”، ثم حدث إدغام الزاي في الزاي، فكتبت زايا واحدة مشددة: (ازَّيَّنَتْ).
فسبحان الله على نعمة القرآن، وجلال بِناه، وجمله، وجلال تراكيبه، وأساليبه!!.
والنموذج العاشر والأخير : قوله تعالى ـ وهو النموذج الذي نختم به هو ما حدث من دلالة لهذه الكلمة:(حيَّ) في هذا القول الكريم: ” ليحيا من حيَّ عن بينة ..”.
فكلمة (حيَّ) بوزن (فَعَلَ)، أصلها (حَيِوَ) فعينُها ياء، ولامها واو، بدليل جمع حياة حيوات، وأن القرآن الكريم يرسم كلمة: “حياة” بواو، هكذا (حيوة) وكذلك كلمة زكاة، يرسمها هكذا:(زكوة) ، وكلمة صلاة يرسمها هكذا: (صلوة)، وهناك ألف صغيرة تكون في منتصف الواو في كل تلك الكلمات؛ لتنطق ألفا لا واوا، لكنها تشير إلى أصل فعلها، وهو:(حيو- زكو – صلو)، وكذلك بدليل قوله تعالى:”وإن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون “، لكن ما الذى حدث في ” حيَّ ” من الناحية الصرفية حتى وصلت إلى تلك الصورة التي وردت في كتاب الله تعالى إن أصل هذه الصيغة هو: حيو، ثم حدث إعلال بالقلب حيث ختمت الكلمة بواو متطرفة قبلها كسر، فتقلب ياء لتصير:(حَيِىَ)، ثم تحذف كسرة الياء الأولى لثقلها لكونها حرف علة، فإذا حُذِفت الكسرة سكنت الياء، فاجتمع حرفان متماثلان، وأولهما ساكن، فتوجب الإدغام، ، فتسكن الياء (حيى)، ثم يحدث إدغام للياء في الياء ، فتصير من: (حَيْىَ) إلى (حيَّ) بياء واحدة مشددة، تشعرك بالقوة ، رغم أن الفعل من قبيل المعتل اللفيف المقرون لاجتماع حرفي علة هما عين الكلمة ولامها، فكأن الكلمة تدل على معناها، وهو الحياة ، فالكلمة حدث لها أربع حيوات، هكذا:(حَيِوَ- حَيِىَ – حَيْىَ – حَيَّ)، فحققت معنى الحياة الذي سيقت له، فالبنية القرآنية بتشكيلتها الصوتية واللغوية تُحْيِى ما وراءها من دلالة، وترسم ما أتت له من معنى، بحيث لم تحتجْ معه إلى تفسير؛ لأنها تفسر نفسها، وتكشف عن دلالتها بذاتها، وعلم الصرف كشف لنا عن تلك التغييرات التي هي بمثابة حياة بعد حياة، ونشاط وعمل ، من بعد نشاط وعمل، يتلوه نشاط آخر وعمل، كأنها تبيِّن من خلال بنيتها الصرفية دلالاتها المعنوية،
هذا ما تميَّز به أسلوب القرآن ، فالحمد لله رب العالمين: أنْ جعلنا من أهل القرآن ، ومن الذائدين عن حياضه، والمستشهَدين في سبيله، اللهم لك الحمد على نعمة القرآن الكريم، ونعمة فهْمه، وارزقنا حفظه، وفهمه، والعمل به، والدعوة إليه، وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة – كلية دار العلوم
جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى