الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / السياسة / أضواء كاشفة

أضواء كاشفة

دور ريادي ترصده الأبصار

الدور الذي أضحت تلعبه السلطنة على المستويين الإقليمي والدولي في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء من ذوي الجلدة الواحدة صار جليا وواضحا للعيان، وأصبحت السلطنة ملجأ لكل من يسعى لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية بسبب العقلية الحكيمة والسياسة الهادئة، والدبلوماسية الناعمة والحيادية التي تتبعها في تعاملها مع الأزمات المختلفة، حيث إنها تعمل جاهدة لإقرار الحق والعدل بنوع من البساطة والحكمة والإقناع بالتي هي أحسن وأقوم.
ومن القضايا التي تسعى السلطنة لحلها وفض الاشتباك بين أهلها، القضية الليبية التي تحرص فيها على تعزيز تقارب وجهات النظر بين جميع الأطراف الليبية بعد أن تدهور الوضع الإنساني للشعب الليبي الشقيق، وتفاقمت عليه المشاكل حتى أنه أصبح محروما من الرعاية الطبية والكهرباء والتعليم، ناهيك عن الأمان والاستقرار.
إن الاجتماعات المستمرة على أرض السلطنة حاليا بين مارتن كوبلر مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا والمستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي والوفد المرافق له المكون من مشايخ القبائل الليبية وغيرهم تم فيه استعراض وجهات النظر ومناقشة الصعوبات التي تقف حجر عثرة في طريق التسوية، وتحقيق مطالب وتطلعات الشعب الليبي الشقيق، وندعو الله أن تكلل هذه الاجتماعات بالنجاح، ويتم الاتفاق على ما يحقق للشعب الليبي بكافة مكوناته الرفاهية والاستقرار.
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لجأ الليبيون للسلطنة لحل مشكلتهم؟
لا شك أن ما اكتسبته السلطنة من سمعة طيبة في مجال تقريب وجهات النظر وسياستها الداعمة دائما للسلام والحوار الهادف الإيجابي، وقدرتها الكبيرة على الإقناع بالحسنى إلى جانب علاقاتها الطيبة مع كل دول العالم، ويدها الممتدة دائما بالصداقة والسلام، كل ذلك جعلها قبلة لكل من ينشد الاستقرار والأمان والسلام.
إن الأزمة التي تواجهها ليبيا والتحديات التي تحدق بها من كل جانب والإرهاب الذي يضربها في مقتل، ويسعى لتفتيتها وتشريد أهلها والقضاء على الأخضر واليابس فيها، يتطلب جهودا حثيثة من أجل الخروج بليبيا من هذه الأزمة بأقل الخسائر الممكنة، وهذا لن يتأتى إلا إذا تغلب الليبيون على القبلية والعصبية، وتخلوا عن المصالح الشخصية وتوحدت كلمتهم وجهودهم فيما يعود على البلاد ككل بالخير والاستقرار .. من هنا تأتي أهمية تقريب السلطنة لوجهات النظر بين الأطراف المتصارعة، والعمل على إيجاد حل جذري للخلافات التي تعصف بأي اتفاق سياسي يتم إبرامه، خاصة أن هذه الخلافات معقدة وشائكة وتحتاج لحكمة في التعامل حتى يتم حلها حلا جذريا ناجعا ينال موافقة كل الأطراف ويحقق مصلحة كل مكونات الشعب الليبي.
لا شك أن الأجواء الملائمة التي توفرها السلطنة للاجتماعات الليبية تساهم بشكل كبير في سهولة التواصل بين الأطراف المجتمعة، بدليل نجاح تلك الاجتماعات من قبل في اتفاق الفرقاء الليبيين على صيغة موحدة للدستور الليبي الجديد.
إن كتب التاريخ تعج بالمواقف التي ساندت فيها السلطنة أشقاءها العرب، فهي لم تتخل في يوم من الأيام عن أية دولة شقيقة أو صديقة كانت في حاجة لمساعدة ودعم، سواء على المستوى المادي أو المعنوي لتكتمل منظومة الخير والريادة بتعزيز المحادثات الإيجابية، خاصة إذا أبدت الأطراف المتنازعة رغبة في التوصل لحل سلمي يعيد الاستقرار لتلك البلاد.
إن الثقة التي تتمتع بها السلطنة على المستوى الدولي في تقريب وجهات النظر واتخاذ طريق السلام لحل المشاكل المستعصية مصدر فخر وزهو لكل عماني ينتمي لهذا البلد المعطاء الذي يبذل جهوده بحسن نية وصدق وإخلاص وموضوعية، ليس طمعا في تحقيق أي مصالح شخصية، وإنما لوجه الله تعالى وتنفيذا لأوامره سبحانه بإرساء السلام والاستقرار في الأرض وتعميرها وتنميتها، وليس تدميرها وتخريبها؛ بدليل وقوفها على مسافة متساوية من الأطراف المتنازعة، فهي لا تحابي أحدا ولا تتملق أحدا، وهذا سر نجاحها وريادتها وشموخها.
إن الدبلوماسية العمانية الهادئة الناجحة تفتح الباب دائما أمام تحقيق الوحدة الوطنية التي تسد منافذ الخلافات والمواجهات المسلحة التي تنشر الفوضى والقلق وسط الشعوب .. لذلك نتمنى أن تحقق اجتماعات الفرقاء الليبيين في مسقط ما حققته اجتماعات صلالة ويستطيعون العبور ببلادهم إلى بر الأمان.
حفظ الله السلطنة وسياستها الناجحة وجعلها دائما وأبدا قبلة لكل من يسعى للسلام وسببا في استقرار وأمان شعوب الأرض جميعا.

* * *
حمى “الربيع” تنتشر بين الدول الأوروبية
عندما هبت نسائم ما يسمى بـ”الربيع السياسي” على عالمنا العربي تسببت في الإطاحة بحكام وتغيير حكومات ونشرت الفوضى وعدم الاستقرار في البلاد التي اجتاحتها .. بعض هذه الدول ما زال يسير في طريق الاستقرار ويحاول للوصول لنهايته والبعض الآخر ما زال يعاني من تبعات هذا “الربيع العربي”.
و”الربيع” كما أنه يهل على جميع دول الأرض كفصل جوي من فصول السنة فإن “الربيع” السياسي أيضا يحاول أن يمر على أكبر قدر من دول العالم وكأنه عدوى تسعى للانتشار .. وفي الوقت الحالي يحاول هذا الربيع أن يجتاح أوروبا كما صرحت بذلك مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في فرنسا لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية حيث قالت إن “ربيع الشعوب الأوروبية أصبح أمرا لا مفر منه وذلك بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأن فرنسا هي محطته التالية” .. وقد بررت الصحيفة ذلك بأن “أكثر شيء يمكن أن ينال كبرياء الفرنسيين هو أن تخطف بريطانيا الأضواء منهم”.
السؤال الذي يفرض نفسه: ما الفرق بين الربيع العربي والربيع الأوروبي؟
لا شك أن هناك فرقا كبيرا بين الربيعين .. فالشعوب العربية عندما ثارت على حكوماتها كانت تطالب بحل المشكلات التي تفاقمت فيها كالفقر والبطالة والحصول على الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية .. لكن ما الذي يدفع الأوروبيين للخروج على حكوماتهم ومن المفترض أنها تتمتع بالديمقراطية، وأن بلادهم يعمها الرخاء وتعتبر بالنسبة لشعوب كثيرة جنة الله على الأرض والعيش فيها حلم بعيد المنال؟
عندما قرر البريطانيون الخروج من الاتحاد الأوروبي كانوا ينظرون للأمر على أنه تحلل من قيود وأصفاد يضعها في أيديهم الاتحاد، فنشدوا بانسحابهم الحرية والاستقلال بين الأمم حتى لو كلفهم ذلك بعض الخسائر الاقتصادية .. فالناخب البريطاني اعتبر الاستفتاء قضية سياسية تتعلق بمكانة بلاده التي اعتاد عليها طوال تاريخه العريق، فآثر أن يكون تحديد مصيره بيده لا بيد الاتحاد الذي كان بمثابة السجن أو القفص بالنسبة لهم .. لذلك يتوقع المحللون أن تحذو دول أخرى في الاتحاد حذو البريطانيين حتى تتخلص من الأغلال التي تفقدها صلاحياتها الدستورية الخاصة ببلادها لصالح دستور المفوضية الأوروبية في بروكسل مثل فتح حدودها رغما عنها وتحديد ميزانيتها الخاصة وغيرها .. أي أن ديمقراطية البرلمان الأوروبي شكلية فقط لا تراعي خصوصية كل دولة ودستورها وتشريعاتها وقوانينها وسيادتها، لا سيما أن الشعوب الأوروبية لا تشترك في كثير من العادات والتقاليد وطريقة التفكير.
لا شك أن أزمة المهاجرين كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بعد إجبار الاتحاد الدول الأوروبية على فتح حدودها على مصاريعها لسيول المهاجرين بغض النظر عن المصالح القومية أو الرغبة الشعبية .. وهو ما يجعلنا نتساءل: هل سيعيد التاريخ نفسه ويكون مصير الاتحاد الأوروبي مثل مصير الاتحاد السوفيتي الذي كان وتنتهي وحدته في يوم من الأيام؟
إن الدعوات التي تطلقها الأحزاب اليمينية المتطرفة تقود الاتحاد لهذا الاتجاه، فهي رافضة لسياساته خاصة فيما يتعلق بالمهاجرين لذلك تدعو شعوبها لإجراء استفتاء مماثل لاستفتاء بريطانيا والخروج من منظومة الاتحاد لتصبح قادرة على تقرير مصيرها بنفسها.
إذا كان الربيع الأوروبي أمرا لا مفر منه كما تقول لوبان فإن تبعاته لن تطول الشعوب الأوروبية فقط، بل أيضا الشعوب الحالمة الأخرى خاصة المهاجرين .. ولقد كانت شعوب العالم تحسد الأوروبيين على اتحادهم لذلك عليهم أن يعيدوا النظر ألف مرة قبل اتخاذ هذه الخطوة والتشرذم والتفكك لأنه طريق لا عودة منه.
إن الأيام القادمة ستكشف لنا إذا كانت حمى الربيع ستنتشر بين الدول الأوروبية أم أنها ستتوقف عند بريطانيا .. وإن غدا لناظره قريب.

* * *
آخر كلام
إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب.

ناصر اليحمدي

إلى الأعلى