الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الجرف القاري والحدود البحرية للسلطنة

الجرف القاري والحدود البحرية للسلطنة

السيد عبد العليم

إن السلطنة في إطار سعيها الدؤوب إلى رسم وتحديد حدودها البحرية والتي تقوم بها بروح من التعاون والتفاهم مع جيرانها في المنطقة، إنما تسعى إلى ضمان حقوق الأجيال القادمة. وذلك في إطار التطور التقني الهائل الذي يشهده العصر الحالي، والذي يمكن بموجب التقنيات الحديثة الاستفادة القصوى من إقليم السلطنة برا وبحرا وجوا بما يعود بالنفع على المواطن العماني عبر الأجيال.

في شهر مايو الماضي، نظمت وزارة الخارجية ممثلة بمكتب الجرف القاري والشؤون البحرية وبالتنسيق مع الشركة الاستشارية للمشروع (GNS) بمقر النادي الدبلوماسي حلقة عمل، وذلك لمتابعة سير أعمال مشروع تمديد حدود الجرف القاري للسلطنة، وللوقوف على آخر المستجدات في هذا الشأن. وهدفت الحلقة التي استمرت ثلاثة أيام إلى تأهيل وتدريب الكادر العماني الذي يعد الركيزة الأساسية لمستقبل المشروع واستدامته، ليكونوا على دراية شاملة بتفاصيل المشروع، حيث سيناط بهذا الفريق مهمة مناقشة طلب السلطنة والدفاع عنه أمام لجنة حدود الجرف القاري بالأمم المتحدة. وتضمنت الحلقة عددًا من المحاور الفنية المتمثلة في الإنجازات التي تحققت والتحديات المصاحبة للمشروع، كذلك جمع البيانات المطلوبة، بالإضافة إلى آلية تقديم طلب السلطنة بتمديد حدود جرفها القاري إلى الأمم المتحدة، وما هي الصعوبات والتحديات المتوقعة، كما تم مناقشة احتياجات المرحلة القادمة من الدراسات والتأهيل والتدريب.
وقد اعتمدت السلطنة القانون البحري العماني بمرسوم سلطاني رقم (35) لسنة 1981 والذي قضت فيه بجواز المرور للسفن الأجنبية عبر المياه الإقليمية العمانية، على أن تحترم القوانين العمانية والقواعد الواردة في المعاهدات الدولية المنضمة إليها حكومة السلطنة.
وبعد رسم السلطنة لجميع حدودها البرية وسعيها لإنهاء القضايا العالقة، وإغلاق ملف الحدود البحرية، وقعت السلطنة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع إيران عام 1974 واتفاقية مماثلة مع السعودية عام 1990 واليمن عام 1992 والإمارات العربية المتحدة عام 1999 وباكستان عام 2000 وذلك لتجنب أي مشاكل يمكن أن تحدث خاصة فيما يتعلق بمصائد الأسماك والثروات البحرية وإعطاء الفرصة لاستغلال هذه الثروات.
وبعد ذلك، تسعى السلطنة مع جيرانها إلى رسم المنطقة الاقتصادية الخالصة مع تحديد مناطق الجرف القاري. وحسب القانون البحري للأمم المتحدة، تمتد سيادة الدولة الساحلية المطلة على الخليج خارج إقليمها البري ومياهها الداخلية إلى حزام بحري ملاصق يعرف بالبحر الإقليمي بعرض لا يتجاوز 12 ميلا بحريا تقاس من خط الأساس المقرر، ويخضع للسيادة الإقليمية للدولة الساحلية. وتمتد هذه السيادة لتشمل الفضاء الجوي الذي يعلوه وقاع البحر وباطن تربته.
ووفقًا للمادة 15 من اتفاقية قانون البحار يجرى تحديد الحد الخارجي للبحر الإقليمي بين الدول المتجاورة أو المتقابلة على أساس مبدأ البعد المتساوي والذي يعني أن يكون خط الحدود ما بين البحرين الإقليميين للدولتين المتجاورتين أو المتقابلتين على ذات البعد من خط الأساس المعتبر كل منهما بداية للبحر الإقليمي لإحدى الدولتين المعنيتين. فيسمى الخط الفاصل للبحرين الإقليميين للدول المتقابلة «بخط الوسط».
ويجوز لهذه الدول أن تخرج عن مبدأ البعد المتساوي في تحديد حدودهم البحرية؛ لأن هذه المسألة ترتبط بالدرجة الأولى بمصالحهم المتداخلة في المنطقة. كما لا ينطبق مبدأ البعد المتساوي عندما يكون لإحدى الدول المتقابلة أو المتجاورة سند تاريخي يسمح لها بالادعاء بحقوق على المياه فيما يجاوز خط الوسط، أو ظروف خاصة أخرى تبرر الخروج عليه. ولذلك يتم أحيانًا رسم خط وسط مؤقت ثم بعد ذلك معرفة ما إذا كان يجب تعديله بالنظر للظروف الخاصة في المنطقة.
على سبيل المثال، فإن مضيق هرمز يقع بين أراضي دولتين هما إيران والسلطنة. وفي الوقت نفسه يربط جزأين من مياه البحار العالية وهي بحر عمان ومياه الخليج العربي وتقع أضيق نقطة في المضيق بين إحدى الجزر في سلامة وجزيرة لارك وتشرف كل من السلطنة وإيران بحدود إقليمية لكل منهما بــ12 ميلا بحريا، وتلتقي مياههما الإقليمية في منطقة المضيق لمسافة 15 ميلا بحريا، بما يعني أن أي سفينة تعبر المضيق تمر بالفعل بأي من المياه الإقليمية لإيران أو السلطنة.
وبالنسبة للمنطقة الاقتصادية الخالصة، فقد وضعت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة للدولة الساحلية في المادة 57 منها بنصها ألا تمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة لأكثر من 200 ميل بحري من خطوط الأساس التي يقاس منها عرض البحر الإقليمي أي أن المئتي ميل بحري تمدد لنطاق المنطقة الاقتصادية والتي تقاس من خطوط قياس البحر الإقليمي، ولما كان هذا الأخير يتم تحديده بـ12 ميلا بحريا فإن نطاق المنطقة الاقتصادية يكون فيما لا يتجاوز 188 ميلا بحريا.
وفيما يتعلق بالجرف القاري، فقد أودعت السلطنة في 15 أبريل 2009 الطلب المبدئي والمرفق به معلومات أولية فيما يتعلق بمد حدود الجرف القاري للسلطنة مسافة 150 ميلا لدى لجنة حدود الجرف القاري التابعة للأمم المتحدة. فقد أودعت السلطنة طلبها في الأمم المتحدة (مكتب البحار) للمطالبة بتمديد حدود جرفها القاري إلى ما بعد المنطقة الاقتصادية الخالصة إيمانا منها بأهمية المحافظة على الثروات الطبيعية الموجودة في قاع البحار وباطن تربته في منطقة الجرف القاري تحت أعالي البحار المجاورة والمتقابلة لشواطئها.
والمقصود بالجرف القاري بموجب المادة 76 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 هو قاع وباطن أرض المساحات المغمورة بالمياه حتى عمق من 100 إلى 200م التي تمتد من خط الأساس إلى ما وراء البحار وبحد أقصى 350 ميلا بحريا. أي الامتداد الفعلي والطبيعي لقاع الأرض داخل البحار والمحيطات. ويكون للدولة الساحلية التي تثبت أحقيتها وفقًا لمتطلبات لجنة الأمم المتحدة تمديد جرفها القاري لمسافة إجمالية تصل كحد أقصى إلى 350 ميلا بحريا. ويمتد لما بعد المنطقة الاقتصادية الخالصة أي ما وراء 200 ميل بحري بحيث لا يتعدى 350 ميلا بحريا مقاسًا من خط الأساس وفقًا للمادة 76 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. ويكون للدولة الساحلية حقوق سيادية على جرفها القاري وتتمثل تلك الحقوق في استكشاف واستغلال الموارد غير الحية مثل النفط والغاز والمعادن وغيرها والاستفادة منها وهو الغرض الرئيس لهذا التمديد، بالإضافة إلى إجراء البحوث العلمية وتكوين قاعدة بيانات بحرية لبحار السلطنة. وقد أشار سعادة السفير سالم بن عبدالله العلوي رئيس مكتب الجرف القاري والشئون البحرية بوزارة الخارجي إلى نية السلطنة ممثلة بلجنة حدود تمديد الجرف القاري المشكلة بقرار مجلس الوزراء بالمضي قدما لإجراء دراسة مكتبية بالتعاون مع شركة (جي.ان.أس) GNS النيوزيلندية يتبعها دراسات ومسوحات زلزالية بحرية لإثبات أحقية الحصول على تحديد حدود جرفها القاري الذي سيكون له عائد اقتصادي كبير باستغلال الموارد غير الحية مثل الثروات المعدنية والنفطية وغير ذلك.
إن السلطنة في إطار سعيها الدؤوب إلى رسم وتحديد حدودها البحرية والتي تقوم بها بروح من التعاون والتفاهم مع جيرانها في المنطقة، إنما تسعى إلى ضمان حقوق الأجيال القادمة. وذلك في إطار التطور التقني الهائل الذي يشهده العصر الحالي، والذي يمكن بموجب التقنيات الحديثة الاستفادة القصوى من إقليم السلطنة برا وبحرا وجوا بما يعود بالنفع على المواطن العماني عبر الأجيال.

إلى الأعلى