الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بريتكزت: منظورات

بريتكزت: منظورات

أ.د. محمد الدعمي

بغض النظر عن المتغيرات والتداعيات المباشرة والسريعة الناتجة عن قرار خروج بريطانيا من منظومة الاتحاد الأوربي، ينبغي للمرء قراءة نتيجة الاستفتاء الذي قاد إلى النتيجة أعلاه على نحو متعدد المنظورات على سبيل الظفر بخلاصات قد تعيننا على فهم العالم المحيط بعالمنا العربي، زد على ذلك أهمية هذه المنظورات في التعريف بالدور الذي يتوخاه هذا العالم العربي المضطرب الآن. ولأن العالم العربي لا يحيا في جزيرة مقطوعة، بعيدًا عن التيارات الأساس التي تغسل سواحله من جميع الجهات، تبدو مراجعة ما اصطلح عليه بـالـ»بريتكزت» Bretexit، (أي خروج بريطانيا من الكتلة الأوربية) على نحو متروٍّ وبعيد النظر، من الضرورات الأساس بالنسبة لدول عالمنا العربي الآن وفي المستقبل، بسياق الدعوات المحمومة للتكتلات والأحلاف، على أنواعها.

وإذا كان بالإمكان مباشرة الموضوع أعلاه من عدة منظورات، فإن المنظور الأول لا بد أن يتناول قضية التكتلات الإقليمية والقارية عامة، سياسية كانت أو اقتصادية. علمًا أن حكومات الدول الأوربية (خاصة التي خاضت خوانق الحربين العالميتين الأولى والثانية) تدرك أن التكتلات على أنواعها، إنما كانت من أهم أسباب اندلاع الحربين المدمرتين أعلاه، مع ما قادتا إليه من مآسِ ومعاناة إنسانية: إلا أن قيادات هذه الحكومات اضطرت إلى صيغة «السوق الأوروبية المشتركة»، ثم إلى صيغة «الاتحاد الأوروبي»، بسبب معطيات تفيد بأن ألمانيا وحدها، أو فرنسا وحدها، ناهيك عن أية واحدة من دول أوروبا منفردة، لا يمكن أن تجد لنفسها موطئ قدم في عالم الكتل الاقتصادية (القابلة للتحور إلى كتل سياسية أو عسكرية) الكبرى، ومنها كتلة الولايات المتحدة الأميركية التي تشكل وحدها تحديًا اقتصاديًّا وسياسيًّا قادرًا على عبور المحيط الأطلسي إلى أوروبا من الغرب. ومنها كذلك كتلة دولة الاتحاد الروسي الكبيرة التي ما فتئت تأتي بتحديات اقتصادية وعسكرية مخيفة بالنسبة لأوروبا (لنتذكر ضم موسكو شبه جزيرة القرم بالقوة العسكرية على حين غرة قبل مدة لم تزل تعد قصيرة)، ناهيك عن تبلور جبروت العملاقين الاقتصاديين الصيني والهندي اللذين راحا يقضمان الاقتصاديات الكبرى بشراهة غير متوقعة. من هذا المنظور، أضعف خروج بريطانيا صيغة أوروبا، كتلة، ناهيك عن عد هذا الخروج سابقة يمكن أن تستمرئها العديد من الدول الأوروبية الأخرى التي لم تجنِ من أوروبا الغنية (ألمانيا، بريطانيا، وفرنسا) ما كانت تتأمله منها من فوائد. وتخص الاقتصاديات الأوروبية الضعيفة كاليونان وإسبانيا، بل وحتى إيطاليا في هذا القلق المؤرق والمضني، خشية توسع الشرخ وتمدده بسرعة قد تأتي على الاتحاد الأوروبي «الآري، الأشقر» بين ليلة وضحاها.
ومن منظور ثانٍ يمكن تفحص «طلاق» بريطانيا أوروبا، ثلاثًا، باعتباره مؤشرًا لـ»بريطانيا إنجلترا» العصية على التذويب في دورق أوروبا الآري الأكبر. إن الاعتزاز «الإنجليزي» بالذات (وليس الأسكتلندي أو الأيرلندي) يأخذ مدياته كاملة في خيار الانفصال، علمًا أن حلم «الإمبراطورية التي لم تكن الشمس لتغرب عنها» ما زال قائمًا وعلى عدة أعمدة، ومنها الخيلاء الإنجليزي المشهود والذي استفز الاسكتلنديين في تجاهله لهم درجة إمكانية رفضهم الحذو حذو الإنجليز بالانفصال من أوروبا، الأمر الذي قد يقود إلى مشاكل قاتلة بقدر تعلق الأمر ببقاء صيغة «المملكة المتحدة» كلية. إن تمسك أدنبرة بأوروبا، وليس بلندن، يهدد الاتحاد تحت التاج البريطاني الذي سبق أن هزته «لندنبيري»، أيرلندا الشمالية مرات عديدة. والسؤال الآن هو: هل انتهى دور العولمة الأوروبية، أي العولمة داخل حدود القارة العجوز، مع إشارة خاصة إلى ابتهاج الإنجليز بوقف تدفق قوة العمل الرخيصة المهولة القادمة من دول شرق أوروبا (الشيوعية سابقًا) باتجاه سوق العمل البريطاني. تنأى بريطانيا بنفسها لأنها تحتضن قناعة بأنها أغنى من سواها؛ ولذا لا تريد أية شراكة تحملها أعباء الغير.
ومن منظور آخر لا يبتعد كثيرًا عن المنظور أعلاه، يلاحظ المتابعون الأكثر فطنة وخبرة بالتاريخ الأوروبي، كيفية صعود نجم العنصرية الآرية ليلة خروج بريطانيا وبعدها في سياق موضوع البحث هنا. لندن لا تريد أن توضع في سلة واحدة مع برلين أو باريس، خاصة بقدر تعلق الأمر بدفق اللاجئين المغرق الذي أطلقته بقاع العالم المضطربة نحو أوروبا (الشرق الأوسط، سوريا والعراق) وبقاعه الجائعة (دول إفريقيا السوداء). يقول الإنجليز من قادة حركة الانفصال عن أوروبا «بأننا سنحمي حدودنا بأنفسنا، وسنضع شروطنا الإنجليزية الخاصة بنا بقدر تعلق الأمر بالسماح للاجئين لدخول بريطانيا، بعيدًا عن إملاءات السياسات الأوروبية الشمولية.
وإذا كان المتابعون يتذكرون جيدًا تلك «المركزية الذاتية» البريطانية التي منعت دخول بريطانيا الاتحاد الأوروبي بالأساس (قبل بضعة عقود)، فإن عليهم أن يتكئوا على وسائدهم متأكدين بأن ما أسماه دعاة الانفصال بـ»يوم الاستقلال» Independence Day، إنما هو رفض بريطاني معتد ببريطانيته لمجرد فكرة ضم الكبرياء والخيلاء البريطاني إلى كتلة لا تقل خيلاءً أو كبرياء عن بريطانيا، مرتجعين للحروب الأوروبية ـ الأوروبية، أي بين الأخيرة وفرنسا، والأخيرة وألمانيا عبر التاريخ. هل سينجح من يعبون الشاي الهندي طوال النهار في البقاء منفصلين عمن يحتسون القهوة أو الجعة جنوبًا وشرقًا، خاصة عندما يأتي الأمر إلى استحالة الاتحاد الأوروبي إلى كتلة عسكرية يومًا ما.

إلى الأعلى