الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ

رحاب

أحمد المعشني

جرب أن تشعر، ماذا يعني العطاء؟!
حدث ذلك منذ عشرين عاما، كان رجلا معدما، جاء عليه اليوم الثامن والعشرين من رمضان، ولم يستطع أن يشتري ملابس العيد لأطفاله، ولم يستطع أن يظهر بهجة العيد في بيته و أسرته، حبس نفسه في بيته وهو يتلوى خجلا من أبنائه وزوجته. كان في نظر زوجته رجلا مقتدرا، وكان أبناؤه يعتبرونه أفضل أب في الدنيا كشأن كل طفل في نظرته إلى أبيه، يحيطه أخوانه وأبناء عمومته وأقاربه، وسيارته جاثمة أمام بيته، لا يستطيع أن يجد ولو مبلغا زهيدا يفرح به أطفاله وهم يستقبلون العيد. كان يعتصر ألما وحزنا، وشعر فعلا بفقدان الحيلة، وتذكر قول الله تعالى: “لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ” (سورة البقرة – آية 273). ضاقت عليه الدنيا وشعر بالفاقة لأول مرة في حياته، ليس في جيبه حتى عشرة ريالات، وليس لديه حساب في البنك أصلا، إذ لم يكن موظفا، وطرق العيد الأبواب، سمع أبناؤها الخمسة صيحات الابتهاج ورأوا أبناء عمومتهم وأقاربهم وجيرانهم يحضرون ملابس العيد، وهو رهين الفاقة والحيرة والعسر، وكلما كرر أبناؤه وزوجته السؤال : متى بنروح السوق؟! كان يسليهم ويمنيهم بقوله: بعدين، بعدين، بعدين! فتسأل زوجته وهي لا تعلم حقيقة ما يخفي عنها: أول مرة نتأخر. كل الناس راحوا وأحضروا ملابس وعطر وحلوى العيد إلا نحن. لم يكن يعلق. وفي صبيحة يوم التاسع والعشرينن صلى الفجر في أحد مساجد الحي، وبعد أن انتهى من الصلاة عاد مهموما إلى بيته، ودخل منكسا رأسه، لا يدري ماذا يفعل؟ جيبه فارغ، يمنعه الحياء أن يسأل الناس، يجثم الحزن على صدره وتخنقه العبرات وهو يرى نظرات الرجاء والانتظار في عيون أطفاله، ويرى الاستغراب يدور في محاجر عيني زوجته. ذهب إلى مسجد الحي وأدى صلاة الفجر جماعة، ثم عاد إلى بيته، لكنه بعد دخوله إلى بيته بدقائق فوجيء بصوت منبه سيارة تقف أمام البيت، استغرب من سيزوره في هذا الوقت بالتحديد، كان الوقت فجرا، والظلام لا يزال يخفي ملامح الاشياء، فتح الباب، ونظر، فرأى شخصا يدعى أبي محمد كان حمامة مسجد الحي، نزل من سيارته مهنئا بالعيد، ودفع إليه بمظروف أبيض ومضى بدون أن يسمع منه أي تعليق، فتح الظرف فإذا بداخله 150 ريالا، ومع المبلغ ورقة مكتوب عليها “هذا المبلغ ليس من عندي، هو حلال لك، تصرف به مثلما تشاء. وقف مشدوها بين أن يبكي أو أن يعلق، ثم دخل بيته، وعندما استيقظ أبناؤه وزوجته: فاجأهم، قائلا: الحين بنروح السوق! يكرر علي هذا الصديق الموقف كثيرا وهو يدعو لذلك الرجل الشهم بطول العمر والبركة في حياته وماله وأبنائه. كلما أتذكر تلك القصة أستحضر في عقلي وفي شعوري حالة الذين لا يسألون الناس الحافا، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ولكنهم معدمين لظروف لا نعلمها!. هناك شعور استثنائي يعرفه الذين يحسنون إلى الناس، ويعملون على بث لحظات السرور في نفوس المحتاجين. ويمكنك اليوم وبكرة وبعد بكرة أن تنضم إليهم لكي تشعر بشعورهم وأنت تمسح الحزن والفاقة عن وجوه الأطفال والمساكين. اعط بدون أن تسأل أسئلة كثيرة، انفق بدون أن ترهق نفسك بالأسئلة الكثيرة: هل هذا يستحق أم لا يستحق؟ هل سبق أن أعطيته لم تعطه من قبل. اعط بدون قيود وبدون شروط، ومن غير أن تنتظر كلمة شكرا أو ابتسامة أو امتنانا، فقط اعط، وسوف تشعر بكل تأكيد ماذا يعني العطاء؟!.

رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى