الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / عيد الفطر .. وشكر المنعم

عيد الفطر .. وشكر المنعم

هذا صوم رمضان يودعنا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا، وأن لا يجعله آخر العهد بهذه العبادة، وأن يعيده علينا مراراً، ولمفارقة العبادة لوعة في نفس المسلم، ولكن هذا قضاء الله، وهذا شرعه، وهذه الليالي لا يفرط فيها المسلم، ويتعلم أن يغتنم لحظات الشهر حتى اللحظة الأخيرة، فلا يدري ربما يكون عتقه في آخر ليلة، وربما يكون قبوله في آخر لحظة، (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) (المؤمنون ـ 60)، وهذا يعني: يصومون، ويصلون، ويتصدقون، ويخافون أن لا يقبل منهم، فهم يرجون رحمة الله، وأنه يثيبهم، وأنه لا يردهم، لكن لا يجزمون لأنفسهم بقبول مهما عملوا، ومهما فعلنا فإننا مقصرون في حق ربنا تعالى، فالمؤمن لا يصاب بالعجب من عبادة قام بها، مهما طالت تلك الساعات في القيام، ومهما طال النهار في الصيام، وشرع الله سبحانه وتعالى لنا عيدي الفطر والأضحى، وجعل سبحانه عيدَ الفطر بعد ركن من أركان الإسلام الخمسة وهو الصيام، وجعل عيدَ الأضحى بعد ركن من أركان الإسلام الخمسة أيضًا وهو الحج.
إنه تشريعٌ حكيمٌ عظيمٌ يحتاج بنا إلى انتباه وتدبر .. كل عيد تسبقه طاعة، فعيدُ الفطر بعد طاعة الصيام والقيام، وعيدُ الأضحى بعد طاعة الحج .. إنه التدريب العملي على انتظار العيد بعد الطاعة .. أرأيت عظمةَ وحكمةَ ودقةَ التشريعَ الإسلامي؟! ليس العيد لمن لبس الجديد، ولمن تفاخر بالعدد والعديد، وإنما العيد لمن خاف يوم الوعيد، واتقى ذا العرش المجيد.
ليس العيد نغمة ووترًا، ولا مباهج فارغة، ولا مظاهر وفوضى، بل العيد شكر للمنعم واعتراف بفضله وإظهار نعمته، والمسيرة في موكب من المؤمنين إعزازًا للدين، وكبتًا لأعداء المسلمين.
والعيد أن يعود بعضنا على بعض بالزيارة والسلام والصفاء والحب، والعيد صلة للأرحام، وبر بالوالدين، وعطف على الفقير والمسكين، ورحمة بالجار.
العيد عند المسلمين تتجلى فيه الأفراح الإيمانية المنضبطة بضوابط الشرع المحفوفة بسياج الأدب، ففي العيد المزح الوقور، والدعابة اللطيفة، والنكتة البريئة، والبسمة الحانية، والنزهة المباحة، العيد يذكِّر بيوم العرض الأكبر .. جمع حاشد وألوف مؤلفة، غنى وفقير، وكبير وصغير، وسعيد وشقي، ومسرور ومحزون.
العيد يوم الجوائز، فمن صام وقام إيمانًا واحتسابًا، فبشراه بالجائزة الكبرى والفوز العظيم والثواب الجسيم.
مضت ساعاتُ الليل، وبزغ الفجرُ، وانطلقت صيحةُ (الله أكبر) تعلن أفول الليل وإشراق الصبح .. قام الناسُ من مضاجعهم ترتسم الفرحةُ على وجوههم .. فاليومَ عيد!! خلعوا عن أبدانهم ملابس النوم، ولبسوا الملابس الجديدة، وانتشروا مهللين مكبرين .. فاليوم عيدٌ!!.
جميلةٌ تلك الليلة .. ليلةُ العيد .. الناس ينتظرون إشراقة نور الشمس فينتشرون فرحين .. لثيابهم الجديدة لابسين .. هلا قرأنا في تلك الليلة التي رقدنا فيها منتظرين صبيحة العيد رقودَنا الأكبر الذي ننتظر بعده القيامة الكبرى عندما تشرق الأرضُ بنور الله؟!.
ومن أحكام العيد وآدابه:
أولا: أحمد الله تعالى أن أتم عليك النعمة بصيام هذا الشهر وقيامه، وأكثر من الدعاء بأن يتقبل الله منك الصيام والقيام، وأن يغفر لك زللك وإجرامك، روي عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان، يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه، ومن هذا المحروم فنعزيه، وعن ابن مسعود أنه كان يقول: من هذا المقبول فنهنيه، ومن هذا المحروم منا فنعزيه، أيها المقبول هنيئا لك، أيها المردود جبر الله مصيبتك.
ثانياً: التكبير، يشرع التكبير من غروب الشمس ليلة العيد إلى صلاة العيد، قال تعالى:(ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) (البقرة ـ 185) ويستحب للرجال رفع الصوت بالتكبير في ا لأسواق والدور والطرق والمساجد، وأماكن تجمع الناس، إظهاراً لهذه الشعيرة، وأحياء لها، واقتداء بسلف هذه الأمة، وصفة التكبير :(الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد)، ويربي النشء على هذا ويعلمون سببه.
ثالثاً: زكاة الفطر، شرع الله تعالى عقب إكمال الصيام زكاة الفطر، وفرضت طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، ومقدارها صاع من طعام من غالب قوت البلد كالأرز والبر والتمر عن كل مسلم، لحديث ابن عمر قال:(فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً).
رابعاً: الغسل والزينة، يستحب للرجال الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب للعيد، لما روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: أخذ عمر جبة من إستبرق تباع في السوق ، فأخذها فأتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله، ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود ..) وكان ابن عمر يلبس في العيد أحسن ثيابه .
خامساً: الأكل قبل صلاة العيد، يستحب قبل أن يخرج لصلاة عيد الفطر أن يأكل تمرات وتراً، ثلاثاً، أو خمساً، لما ثبت عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات).
سادساً: التبكير في الخروج لصلاة العيد، يستحب التبكير لصلاة العيد لقول الله تعالى:(فاستبقوا الخيرات) (المائدة ـ 48) والعيد من أعظم الخيرات، ذكر حديث البراء ـ رضي الله عنه ـ قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم النحر فقال: إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ..).
سابعاً: التهنئة بالعيد، لا بأس بالتهنئة بالعيد؟ كقول:(تقبل الله منا ومنك)، لما ورد عن جبير بن نفير قال: كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض:(تقبل الله منا ومنك).
ثامناً: مخالفة الطريق، لما روى جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ انه قال:(كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا كان يوم عيد خالف الطريق)، قال ابن القيم:(وكان (صلى الله عليه وسلم) يخرج ماشياً، وكان (صلى الله عليه وسلم) يخالف الطريق يوم العيد، فيذهب من طريق ويرجع من آخر قيل ليسلم على أهل الطريقين، وقيل لينال بركته الفريقان، وقيل ليقضي حاجة من له حاجة منهما، وقيل ليظهر شعائر الإسلام في سائر الفجاج والطرق، وقيل ليغيظ المنافقين برؤيتهم عزة الإسلام وأهله، وقيام شعائره، وقيل لتكثر شهادة البقاع فإن الذاهب إلى المسجد والمصلى إحدى خطواته ترفع درجة وتحط خطيئة، حتى يرجع إلى منزله، وقيل وهو الأصح إنه لذلك كله، ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله منها).
* (المصدر: مراجع متعددة).

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري

إلى الأعلى