الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (29)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (29)

شروط صلاة الجمعة:
تنقسم شروط صلاة الجمعة إلى قسمين :شروط وجوب وشروط صحة، أولاً: شروط الوجوب المتفق عليها: الإسلام والعقل وهما شرطان في وجوب جميع الأحكام الشرعية وصحتها باتفاق الأمة والأدلة متوافرة علي ذلك، أما الإسلام: فلقوله تعالى:(قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)، ولأن في إيجاب ذلك عليهم تنفيراً، فعفي عنه، وقال )صلى الله عليه وسلم( في حديث معاذ:)ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة( وكذا قوله تعالى:(وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله) )التوبة ـ 54)، قال أهل العلم: فإذا كانت النفقات مع كون نفعها متعدياً لا تقبل منهم، فالعبادات التي نفعها غير متعد من باب أولى لا تقبل منهم، قال النووي في المجموع:(.. وأما الكافر الأصلي فاتفق أصحابنا في كتب الفروع على أنه لا تجب عليه الصلاة والزكاة والصوم والحج .. وغيرها من فروع الإسلام، وأما في كتب الأصول فقال جمهورهم هو مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بأصل الإيمان، وقيل: لا يخاطب بالفروع، وقيل: يخاطب بالمنهي عنه كتحريم الزنا والسرقة والخمر والربا وأشباهها دون المأمور به كالصلاة، والصحيح الأول، وليس هو مخالفاً لقولهم في الفروع، لأن المراد هنا غير المراد هناك ، فمرادهم في كتب الفروع أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم، وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي، ولم يتعرضوا لعقوبة الآخرة. ومرادهم في كتب الأصول: أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر، فيعذبون عليها و على الكفر جميعاً، لا على الكفر وحده، ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا، فذكروا في الأصول حكم أحد الطرفين، وفي الفروع حكم الطرف الآخر والله أعلم، وأما المرتد فيلزمه الصلاة في الحال، وإذا أسلم لزمه قضاء ما فات في الردة .قال النووي في المجموع:(قال الشافعي والأصحاب: يلزم المرتد إذا أسلم أن يقضي كل ما فاته في الردة أو قبلها، وهو مخاطب في حال الردة بجميع ما يخاطب به المسلم، وإذا أسلم لا يلزمه إعادة ما كان فعله قبل الردة من حج وصلاة وغيرهما والله أعلم)، وقال الشيرازي في المهذب:(وإن كان مرتداً وجبت عليه، وإذا أسلم لزمه قضاؤها، لأنه اعتقد وجوبها وقدر على التسبب إلى أدائها، فهو كالمحدث).
وأما العقل: فلقوله (صلى الله عليه وسلم):(رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل) وفي رواية: (وعن المجنون حتى يفيق)،
وزوال العقل إما أن يكون بجنون، ويلحق به كل من زال عقله بسبب مباح، وأن يكون بسبب محرم، كمن شرب المسكر أو تناول دواء من غير حاجة فزال عقله، فأما الأول: وهو من زال عقله بسبب غير محرم، كمن جن أو أغمى عليه، أو زال عقله بمرض أو بشرب دواء لحاجة أو أكره علي شرب مسكر فزال عقله، فهذا قال فيه النووي:(.. لا صلاة عليه، وإذا أفاق فلا قضاء عليه بلا خلاف للحديث، سواء قل زمن الجنون والإغماء أم كثر)، وقال أبو حنيفة: إن كان الإغماء دون يوم و ليلة لزمه قضاء ما فات فيه، وإن كان أكثر فلا، ونقل ابن حزم عن عمار بن ياسر وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وقتادة أن المغمى عليه يقضي.
دليلنا القياس (على المجنون وعلى ما فوق يوم وليلة ..)، وقال ابن قدامة في المغني: والمجنون غير مكلف، ولا يلزمه قضاء ما ترك في حالة جنونه، إلا أن يُفيق في وقت الصلاة، فيصير كالصبي يبلغ، ولا نعلم في ذلك خلافاً .. وقال الحزمي:(والمغمى عليه يقضي جميع الصلوات التي كانت في حال إغمائه)، قال ابن قدامة:(وجملة ذلك أن المغمى عليه حكمه حكم النائم، لا يسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها علي النائم، كالصلاة والصيام)، وقال مالك والشافعي: لا يلزمه قضاء الصلاة إلا بعد أن يُفيق في جزء من وقتها، وقال أبو حنيفة: إن أغمى عليه خمس صلوات قضاها، وإن زادت سقط فرض القضاء في الكل، لأن ذلك يدخل في التكرار فأسقط القضاء، كالمجنون ..) قال ابن قدامة: (ولنا ما روي أن عماراً غشي عليه أياماً لا يُصلي ثم استفاق بعد ثلاث، فقيل: هل صليت؟ فقال: ما صليتُ منذ ثلاث. فقال أعطوني وضوءاً فتوضأ، ثم صلى تلك الليلة. وروى أبو مجْلز أن سمرة بن جندب قال: المغمى عليه يترك الصلاة، أو فيترك الصلاة، يُصلي مع كل صلاةٍ صلاةً مثلها، قال: قال عمران: زعم، ولكن ليصليهن جميعاً، روى الأثرم هذين الحديثين في سننه، وهذا فعل الصحابة وقولهم، ولا نعرف لهم مخالفاً فكان إجماعاً، ولأن الإغماء لا يُسقط فرض الصيام، ولا يؤثر في استحقاق الولاية علي المغمى عليه، فأشبه النوم .. ولا يصح قياسه على المجنون، لأن المجنون تتطاول مدته غالباً، وقد رفع القلم عنه، ولا يلزمه صيام ولا شيء من أحكام التكليف، وتثبت الولاية عليه، ولا يجوز على الأنبياء ـ عليهم السلام، والإغماء بخلافه، وما لا يؤثر في إسقاط الخمس لا يؤثر في إسقاط الزائد عليها، كالنوم ودعوى الإجماع لا يسلم لها، فقد ذكر الدارقطني والبيهقي في سننهما عن ابن عمر أنه أغمي عليه يوماً وليلة فلم يقض، وفي رواية: ثلاثة أيام ولياليهن، وروى محمد بن الحسن عنه القضاء في اليوم والليلة، وأما الثاني: وهو من زال عقله بسبب محرم، بأن شرب المسكر عمداً عالماً به مختاراً ، أو شرب دواء لغير حاجة وهو مما يزول به العقل فزال عقله، فلا تصح صلاته في ذلك الحال، فإذا عاد عقله لزمه القضاء .قال ابن قدامة:(.. وأما السكر ومن شرب محرماً يزيل عقله وقتاً دون وقت، فلا يؤثر في إسقاط التكليف، وعليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله. لا نعلم فيه خلافاً، لأنه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح، فبالسكر المحرم أولى).
فائدة:
قال النووي: إذا لم يعلم كون الشراب مسكراً، أو كون الدواء مزيلاً للعقل لم يحرم تناوله ولا قضاء عليه، كالإغماء، فإن علم أن جنسه مسكر، وظن أن ذلك القدر لا يسكر وجب القضاء لتقصيره و تعاطيه الحرام، وأما ما يزيل العقل من غير الأشربة والأدوية كالبنج وهذه الحشيشة المعروفة فحكمه حكم الخمر في التحريم ووجوب قضاء الصلوات و يجب فيه التعزير دون الحد .. والله أعلم .. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى