الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من صفات المتقين .. قيام الليل وكثرة التهجد

من صفات المتقين .. قيام الليل وكثرة التهجد

أيها القراء : في مقال سابق ذكرت لكم أن من صفات المتقين الصلاة بالليل والناس نيام وذكرت فضل هذه الصلاة .. وفي مقال اليوم اذكر عن فوائد وثمرات صلاة الليل والتهجد.
فأقول:ان قيامُ الليل قُربةٌ من أجل القربات وطاعةٌ من أنفس الطاعات، لا يحافظُ عليها إلا الموفقون, ولا ينافسُ فيها إلا السابقون ومن أجل ثمراته وفوائده ما يلي:
1 ـ أنه سببٌ لنيلِ الجنة، وناهيكَ بها من فائدة، قال تعالى:(قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) (آل عمران)، وقال تعالى:(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة 16 ـ 17)، وقال (صلى الله عليه وسلم):(أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام). رواه الترمذي، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
2 ـ أنه سبيلٌ إلى القيام بشكر نعمة الله على العبد، والشاكرون قد وعدهم الله بالزيادة، كما قال تعالى: (وإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم ـ 7)، وقالت عائشة ـ رضي الله عنها:(كان النبي صلى الله علية وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟) ـ متفق عليه.
3 ـ أنه يقربُ إلى الله عز وجل، وهو سببٌ في تكفير سيئات العبد ومغفرةِ ذنوبه، فعن عمرو بن عنبسة ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(أقرب ما يكون الرب عز وجل من العبد في جوف الليل، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن). رواه أبو داود والترمذي واللفظ له، وقال حديث حسن صحيح، والحاكم على شرط مسلم.
4 ـ أنه ينهى صاحبه عن الإثم قال تعالى:(إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت ـ 45).
5 ـ أنه مطردة للداء عن الجسد فهو سبب لذهاب الأسقام وإبعاد الآلام، فقد قال (صلى الله عليه وسلم):(عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم, وقربة إلى الله تعالى, ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد) .. أخرجه الترمذي.
6 ـ أنه يكسو وجه صاحبه نوراً، فإن الجزاء من جنس العمل فإنهم لما احتملوا ظلمة الليل وهانت عليهم مكابدتها جازاهم الله بأن نور وجوههم، فقد قال سعيد بن المسيب:(إن الرجل ليصلي بالليل، فيجعل الله في وجهه نوراً يحبه عليه كل مسلم، فيراه من لم يره قط فيقول: إني لأحبُ هذا الرجل)، وقيل للحسن البصري: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوهاً؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.
7 ـ أنه سبب فى زيادة الرزق قال تعالى:(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طه ـ 132).
8 ـ أنه يعرض صاحبه للنفحات الإلهية ويكون سبباً لإجابة دعائه وإعطائه سؤله وقت نزول الرب عز وجل إلى سماء الدنيا، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) ـ رواه البخاري ومالك ومسلم والترمذي وغيرهم.
9 ـ أنه يُحصّل لصاحبه الثواب المضاعف فقليله يُزيلُ عنه اسم الغفلة، ومتوسطه يكسوه اسمَ القنوت، وكثيره يجلبُ له قناطير الأجر، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):( من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين). رواه أبو داود.
قيام الليل والعلم الحديث:
وانظر أيها القارئ الكريم إلي فوائد صلاة الليل وفوائدها الصحية التي أثبتها العلم الحديث فإن العلماء قالوا: يؤدي قيام الليل إلى تقليل إفراز هرمون الكورتيزون (وهو الكورتيزون الطبيعي للجسد) خصوصاً قبل الاستيقاظ بعدة ساعات، وهو ما يتوافق زمنياً مع وقت السحر (الثلث الأخير من الليل)، مما يقي من الزيادة المفاجئة في مستوى سكر الدم، والذي يشكل خطورة على مرضى السكر، ويقلل كذلك من الارتفاع المفاجئ في ضغط الدم، ويقي من السكتة المخية والأزمات القلبية في المرضى المعرضين لذلك، كذلك يقلل قيام الليل من مخاطر تخثر الدم في وريد العين الشبكي، الذي يحدث نتيجة لبطء سريان الدم في أثناء النوم، وزيادة لزوجة الدم بسبب قلة تناول السوائل أو زيادة فقدانها أو بسبب السمنة المفرطة وصعوبة التنفس مما يعوق ارتجاع الدم الوريدي من الرأس، ويؤدي قيام الليل إلى تحسن وليونة عند مرضى التهاب المفاصل المختلفة، سواء كانت روماتيزمية أو غيرها نتيجة الحركة الخفيفة والتدليك بالماء عند الوضوء، كما ثبت أن قيام الليل علاج ناجح لما يعرف باسم (مرض الإجهاد الزمني) لما يوفره قيام الليل من انتظام في الحركة ما بين الجهد البسيط والمتوسط، الذي ثبتت فاعليته في علاج هذا المرض، ويؤدي قيام الليل إلى تخلص الجسد من ما يسمى بالجليسيرات الثلاثية (نوع من الدهون) التي تتراكم في الدم خصوصاً بعد تناول العشاء المحتوي على نسبه عالية من الدهون والتي تزيد من مخاطر الإصابة بأمراض شرايين القلب التاجية بنسبة (32%) في هؤلاء المرضى مقارنة بغيرهم، ويقلل قيام الليل من خطر الوفيات بجميع الأسباب، خصوصاً الناتج عن السكتة القلبية والدماغية وبعض أنواع السرطان، كذلك يقلل قيام الليل من مخاطر الموت المفاجئ بسبب اضطراب ضربات القلب لما يصاحبه من تنفس هواء نقي خال من ملوثات النهار وأهمها عوادم السيارات ومسببات الحساسية، وقيام الليل ينشط الذاكرة وينبه وظائف المخ الذهنية المختلفة لما فيه من قراءة وتدبر للقرآن وذكر للأدعية واسترجاع لأذكار الصباح والمساء، فيقي من أمراض الزهايمر وخرف الشيخوخة والاكتئاب وغيرها، وكذلك يقلل قيام الليل من شدة حدوث والتخفيف من مرض طنين الأذن لأسباب غير معروفة.
وقد جاء في كتاب (الوصفات المنزلية المجربة وأسرار الشفاء الطبيعية) وهو كتاب بالإنكليزية لمجموعة من المؤلفين الأميركيين ـ طبعة 1993، أن القيام من الفراش أثناء الليل والحركة البسيطة داخل المنزل والقيام ببعض التمرينات الرياضية الخفيفة، وتدليك الأطراف بالماء، والتنفس بعمق له فوائد صحية عديدة، والمتأمل لهذه النصائح يجد أنها تماثل تماماً حركات الوضوء والصلاة عند قيام الليل.
فقيام الليل تلك العبادة العظيمة التي أمرنا بها الله تعالى وحث عليها رسوله الكريم، والتي ذكرنا أنها العبادة التي هجرها الكثير، جاء اليوم العلماء ليثبتوا أنها نوع علاج لكثير من الأمراض، وقد كان الناس الصالحون ينعتونها للعلاج أيضاً ولكن ليس لأمراض الجسد بل لأمراض القلوب ووسيلة للصعود إلى الله ومرقاة للتقرب للخالق العليم، فسبحان من جمع العلماء على كلمة سواء أن لا معبود بحق إلا الله رب العالمين القائل:﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت).

اعداد ـ محمد عبدالظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الامين

إلى الأعلى