الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شذرات من هدي القرآن

شذرات من هدي القرآن

تكـريـم الله للإنسان (112)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد : فإن الجـهاد والمجـاهـدة هـما مـن الإيـمان بالله، قال الله تعـالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التحـريـم ـ 9).
المجـاهـدة: قال الله تبارك وتعـالى في كتابه العـزيـز:(..وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال ـ 74).
المجـاهـدة كلـمة مأخـوذة مـن الجـهـد، وهـي تـدل عـلى الـمـشـقـة، وتـدل عـلى الجـد والـمـبالغـة في الشيء، واستـفـراغ الجـهـد، والـمـجـاهـدة في الـمـجـال الأخـلاقي يـراد بها مـقـاومـة الشهـوات والأهـواء، وقـد أشـار إلى هـذا المعـنى الحـسن البصري حـين قال: إن الـرجـل لـيـجـاهـد وما ضـرب يـوماً مـن الـدهــر بسـيـف، ويـرى عـلماء الأخـلاق: إن مجـاهـدة النفـس ومنعـها عـن إتـيان الحـرام، والابـتعـاد والسـمـو بها عـن الـوقـوع في الإثـم، وعـماد ذلك حـياة القـلـب وطهارته.
كـما أشـار إلى ذلك الحـديـث النبـوي الشريـف القـائـل:(إن الحـلال بـيّن وإن الحـرام بـيّن، وبيـنهـما أمـور مـشـتبهات لا يعـلمـهـن كـثـير من الناس فــمن اتـق الشـبهات فـقـد اسـتـبـرأ لــديـنه وعـرضه، ومـن وقـع في الشـبهات فـقـد وقـع في الحـرام، كالـراعي يـرعى حـول الحـمى يـوشــك أن يـقـع فــيـه، ألا وإن لـكـل مـلـك حـمى ألا وإن حـمى الله محـارمه، ألا وإن في الجـسـد مـضـغـة إذا صـلحـت صـلح الجـسـد كله، وإذا فـسـدت فـسـد الجـسـد كله ألا وهي القـلـب).
وكـثير مـن الناس يـرى أن كلـمـتي (الجهـاد والمجاهـدة) لا تـقـتصران عـلى جـهـاد الأعـداء، فـيـذكـر حاتـم الأصـم قائـلاً: الجهـاد ثـلاثة أنـواع هـي: جـهـاد في السر مـع الشـيـطـان حـتى يـتـقـهـقـر، وجـهـاد في العـلانية ويـتـمثـل في أداء الـفـرائـض حـتى تـؤدى كـما أمـر الله بها، واجـتـناب الـنـواهي والابـتعـاد عـن الشبهات، وجـهاد مـع الأعـداء لجـعــل كلمة الـذين كـفـروا السـفـلى وكلمة الله هي العـليا.
ويـؤكـد الأصفهاني ذلـك المعـني حـين يـقـول: إن للجهـاد أضـرباً ثـلاثة: مجـاهـدة العــدو الـظـاهـر، ومجـاهـدة الشـيـطـان، ومجـاهـدة النفـس الأمـارة بالسوء، ويشـتـمـل تـلـك الأنـواع الـثـلاثـة قـولـه سـبحـانه وتعـالى:(وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحـج ـ 78).
وإن كان جـهاد الأعـداء بالـمال والنفـس، فـريـضة قائـمة باقـية واجـبة كلـما نهـضـت دواعــيـهـا، ولـكـن لا بـد أن يـكـون الجـهـاد الحـسي بالمال والنفـس عـلى وجهه وصـدقـه، بعـد التحـلي بفـضـيلة المجـاهـدة الـنفـسية والـروحيـة التي تجـعـل صاحبها يـزهـد في المال، فـيـقـدمه طـائـعـاً مخـتاراً في سـبيـل الله، ويجـعـله يـؤثـر رضـاء الله عـلى البـقـاء في الحـياة، وبـذلـك يـدخـل ضـمـن أولـئـك الـمـؤمنـين الـذين ذكـرهـم الله بقـوله:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الـبقــرة ـ 218).
ولعـل مجـاهـدة الإنسان نفـسه هـي أشـد الـواجـبات وأثـقـلها وأعـظـمها عـلى الإنسان، لأن سـلـطـان الهـوى عـنيـف والشهـوات كـثيرة ومـتنـوعة، والجـوارح الطـالبة عـديـدة، فـللـعــين شـهـواتها ورغـباتها، وتشـتـمل فـيمـا تـفـتـتـن بالنـظـر إلـيه.
فالعـين تـزني وزناؤها نـظـرهـا، وللأذن شـهـواتـهـا، والأذن تـعـشـق قـبـل العـين أحـيانا وللـسان شـهـواته، ولعــل مـن أضـرها الكـذب والغـيـبة والنمـيمة، والخـوض في أعـراض الـمـؤمنيـن والـمـؤمنات خـطـير جـداً وللبطـن شهـواته، ولعـل الكـثير مـن شـهـوات الـبطـن تـؤصـل صاحـبها إلى أكـل الحـرام وشـرب الحـرام، وهـكـذا تـتعـدد مـطـالـب النـفـس.
والمغـريات في عـصرنا الحـاضـر كـثيرة ،ومـتـنـوعـة والـمـروجـون لهـا كـثر، والشـيـطـان العــدو للإنـسان دائمـا بالمـرصـاد، والـنـفـس الأمارة بالسـوء تـغـري صاحبها بالشـهـوات والملـذات، فإذا سـيـطـر الهـوى عـلى الإنـسان ران عـلى قـلبه حـب ذلـك، ويحـول بـينـه وبـين النـظـر إلى نـور العـقـل، الــذي جـعـله الله سـبحانه وتعـالى مـناط التـكلـيـف، فـتحـدث للـقـلب غـفـلة تبـعـده عـما خـلـق مـن أجـله، ويـؤدي به ذلـك إلى التـجـاوز والطـغــيـان، والاسـتـعـلاء والتـكـبر ومحـاولة الـوصـول إلى ما يشـتهـيه، والحـصـول عـلى ما يـريـد ولـو أدي به ذلـك إلى الهـلاك.
وقـوله تعـالى:(وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ..) (الحــج ـ 70)، تعــبير جـامع شـامـل يحـتـوي جـهاد النفـس، وجـهـاد الفـساد وجـهاد السـر وجهـاد الـعـدو وهـذا الجـهـاد يـتـطـلـب تعـبئة ضخـمة وإعـداداً واسـعـاً، قال الله تعـالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحـج 77 ـ 78).
الجـهاد الأكـبر: وقال عـبـد الله بن المـبارك: إن حـق الجـهـاد هـو مجـاهـدة النـفـس والهـوى ، ولـذلـك قـيـل إن الـرسـول صلى الله عـليه وسـلم حـينـما رجـع مـن غــزوة تـبـوك قال:(رجـعـنا مـن الجـهاد الأصـغـر إلى الجـهـاد الأكـبر) وهـو يعـني بـذلـك إن صـحـت الـروايـة: مجـاهـدة النفـس أكـبر مـن مجـاهـدة العـدو.
ويقـول الـقـشـيري في (لطـائـف الإشـارات): إن حـق الجـهاد هـو مـوافـقـة أمـر الله في القـدر والـوقـت والـنـوع، فإذا حـصـلت مخـالفـة في شيء مـن الأمـر فـليس ذلـك بحـق الجـهاد، ويـقـول: والمجـاهـدة عـلى أقـسـام: مجـاهـدة بالـنفـس، ومجـاهــدة بالقـلـب، ومجـاهـدة بالمال، فالمجـاهـدة بالـنـفـس ألا يـدخـر العـبـد ميـسوراً إلا بـذله في الـطاعـة يتحـمـل المشاق في سـبيـل الله، ولا يطـلـب الـرخـيـص والـرخـص.
والمجاهـدة بالـقـلب صـونه عـن الخـواطـر الـرديئة، مـثـل الغـفـلة والعــزم عـلى المخـالـفـات والمجـاهـدة بالـمـال بالـبـذل والكـرم والسخـاء ولا يـبخـل بشيء في سـبيـل الله ثـم بالجـود والإيـثـار بغــير مـن ولا أذى، وكل ذلـك يعــود إلـيه خـيره وفـضـله، لأن الله غـني لا تـنـفـعـه طـاعـة الطـائـع، ولا تـضــره معـصيـة العـاصي، قال الله تعـالى:(وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (العـنكـبـوت ـ 6).
وقال لـقـمان الحـكيـم: مـن لـم يـركـب الأهـوال لـم ينـل الآمـال، وعـنـه: العـدة لـيـوم الـشـدة، وقـيـل بالصـبر عـلى لـبس الحـديـد يتـنـعـم بالثـوب الجـديـد، وفي الصـبر عـلى الـنـوائـب إدراك الـرغـائـب.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى