الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نفحة رمضانية مباركة (29)

نفحة رمضانية مباركة (29)

أيها الصائمون والصائمات: وصف الله الذين يحبون ويسرهم إشاعة الفاحشة في المجتمع بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فقال الله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) (النور ـ 19).
هذا تأديب لمن سمع شيئاً من الكلام السيئ، فقام بذهنه منه شيء، وتكلم به، فلا يكثر منه ويشيعه ويذيعه، فقد قال تعالى:(إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا) أي: يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح، (لهم عذاب أليم في الدنيا) أي: بالحد، وفي الآخرة بالعذاب.
ثانياً: ما جاء في السنة النبوية من التحذير من موضوع الشائعات:
أ ـ ذم النبي (صلى الله عليه وسلم) من لم يتثبت في نقل الأخبار، فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قِيلَ لَهُ: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ فِي زَعَمُوا؟ قَالَ:(بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ).
والأصل في زعم أنها تقال في الأمر الذي لا يوقف على حقيقته، ويقال زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه وإنما هو شيء يحكى عن الألسن على سبيل البلاغ فذم (صلى الله عليه وسلم) من الحديث ما كان هذا سبيله وأمر بالثبت فيه والتوثق لما يحكيه من ذلك فلا يرويه حتى يكون معزياً إلى ثبت ومروياً عن ثقة، وأسوأ عادة للرجل أن يتخذ لفظ زعموا مركباً إلى مقاصده فيخبر عن أمر تقليداً من غير تثبت فيخطئ.
وقال أحد العلماء: وفي الحديث ذم استعمال هذه الكلمة (زعموا) وإن كانت في اللغة قد تأتي بمعنى (قال) كما هو معلوم ولذلك لم تأت في القرآن إلا في الإخبار عن المذمومين بأشياء مذمومة كانت منهم مثل قوله تعالى:(زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا) (التغابن ـ 7) ثم أتبع ذلك بقوله:(قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ).
ب ـ نهانا النبي (صلى الله عليه وسلم) أن نتحدث بكل ما نسمع حتى لا نكون سبباً في الشائعات ونشرها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)، وكذباً أي: تكذيباً. وذلك لأن من حدث بكل ما سمع من غير أن يميز بين ما تقبله العقول مما لا تقبله، أو من يصلح أن يسمع ما يحدث به ممن لا، نسب إلى الكذب.
ج ـ النبي (صلى الله عليه وسلم) يخبرنا بأن الله يكره لنا القيل والقال، فعن المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ).
)قيل وقال) أي: حكاية أقاويل الناس وأحاديثهم، والبحث عنها، فيقول: قال فلان كذا، وقيل لفلان كذا، وهو حكاية ما لا يعلم صحته فإن الحاكي يقول: (قيل وقال) والمراد في الأحاديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام لأنها تئول إلى الخطأ قال وإنما كرره للمبالغة في الزجر عنه، والحاصل أنه: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبيّن.
ثالثاً: أقوال السلف:
أ ـ عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:(بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) لأنه يجب على كل إنسان عاقل ألا يتحدث بكل ما يسمعه ولا ينشره حتى نستطيع نقضى على الشائعة ووأدها في مهدها.
ب ـ وعن مالك قال:(اعلم أنه فساد عظيم أن يتكلم الإنسان بكل ما يسمع).
ج ـ وعن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ:(لَا يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِع).
ولا بد أن نعلم أن من ضمن بروتوكولات حكماء صهيون أنهم يقولون: إن الصحافة جميعها بأيدينا إلا صحفاً قليلة غير محتفل بها، وسنستعملها لبث الشائعات حتى تصبح حقائق وسنشغل بها الأميين عما ينفعهم ونجعلهم يجرون وراء الشهوة والمتعة.
كيف نعالج الشائعات؟
1 ـ يجب على الإنسان المسلم إذا سمع النقيصة في المؤمن ألاَّ يعجل في تصديقها، وقد قرر العلماء ـ رحمهم الله ـ أن الإنسان لو نقل المقالة التي تشتمل على الطعن في الإنسان ولو كان على سبيل الحكاية، فإنه آثم والعياذ بالله. وكذلك لو سمع خبراً من الأخبار فلا ينقل حتى يتثبت أولا، عملاً بقول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات ـ 6)، ولنا في شائعة طلاق النبي (صلى الله عليه وسلم) لنسائه عبرة، ويذكر هاهنا حديث عمر بن الخطاب المتفق عليه، حين بلغه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طلق نساءه، فجاءه من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاستفهمه: أطلقت نساءك؟ قال: (لا)، فقلت الله أكبر. وذكر الحديث بطوله.
وعند مسلم: فقلت: أطلقتهن؟ فقال:(لا) فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نساءه، ونزلت هذه الآية:(وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.
2 ـ الكف عن نقل الشائعات وحسن الظن بالآخرين وخاصة إذا كانوا مؤمنين بقوله:(لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) (النور ـ 12)، يقول ابن كثير: هلا (إذ سمعتموه) أي: ذلك الكلام، أي: الذي رميت به أم المؤمنين (ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً) أي: قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى. فهذا يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يكف عن الشائعة وألاَّ يعتني بنقلها، وأن يقدم حسن الظن بأخيه المسلم، وهو طلب الدليل الباطني الوجداني، وأن ينزل أخيه المسلم بمنزلته، وهذه هي وحدة الصف الداخلي.
3 ـ أن يطلب الدليل الخارجي البرهاني الذي علمنا الله إياه وأمرنا به فقال :(لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ(.
4 ـ أن لا يتحدث المسلم بما سمعه ولا ينشره، فإن المسلمين لو لم يتكلموا بمثل هذه الشائعات لماتت في مهدها ولم تجد من يحيها إلا من المنافقين: (ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا(.
5 ـ أن يرد الأمر إلى أولي الأمر، ولا يشيعه بين الناس أبداً، وهذه قاعدة عامة في كل الأخبار المهمة، والتي لها أثرها الواقعي، كما قال تعالى:(وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلاَّ قَلِيلاً) (النساء ـ 83(.
6 ـ عدم سماع ما يقوله الكذابون، والمنافقون، وأصحاب القلوب المريضة، وعدم الرضا بذلك، كما هو منهج السلف .
والخلاصة أن الإسلام عالج الشائعات في ثلاث نقاط مهمة وهي :النقطة الأولى: التثبت، والنقطة الثانية: الناقل للإشاعة من الفاسقين، والنقطة الثالثة: التفكر في عواقب الإشاعة.
نسأل الله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يتقبل منكم ومنا الصلاة والصيام والقيام وتلاوة القرآن إنه على كل شئ قدير.

اعداد ـ علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى