الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (26)

مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (26)

تقدم بنا الكلام حول الاية المباركة في قوله تعالى:(وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (يونس ـ 36).
وقد بيّنا ان لفظة الظن في القرآن الكريم على معنيين، المعنى الاول: بمعنى العلم، والمعنى الثاني: بمعنى الظن المنطقي .. ولكن اي المعنيين هو الذي ورد في هذه الاية المباركة.
قال المفسرون: هو اعتقاد وعلم ولكن بلا دليل، فالانسان يمكنه ان يعتقد بشئ، او ان يرى نفسه ان علمه صحيح الا انه مع الرجوع الى المباني العقلية البديهية فان ما يعتقده او يراه لا يصل الى مستوى العلم الحقيقي، بل انه في الحقيقة ليس الا ظن، والظن شئ والعلم شئ آخر.
فمع ملاحظة ما ذكرته الآية المباركة التي قبلها من الكلام حول الهادي وغير الهادي وارجاع المخاطَب الى البديهيات العقلية، والمضرورات الفطرية القاضية الى ترجيح الهادي على غير الهادي بترجيح عقلي بديهي فان هذه الآية المباركة هنا كما بين تفسيرها المفسرون بانها تود ان تبين ان البديهة العقلية تقود الى العلم، وان من لا يصل الى العلم ويكون رهينا للظن انما قد اخطأ او اشتبه في المقدمات العقلية التي لديه في فطرته، وفي صميم تركيبته الوجودية، لذا عليه ان يراجع نفسه من خلال الوقوف على تلكم المقدمات التي تخللتها بعض الاخطاء والاشتباهات فابعدته عن الحق والواقع، وهنا نقف قليلا عند معنى الظن .. وكيف انه لا يمكن ان يصل الى مستوى الدليل القطعي.
ان الظن مرتبة من العلم ولكنها مرتبة لا تصل الى درجة اليقين، ونسبتها الرياضية تكون ما من 51% الى 99% واما ما تكون نسبته من العلم 50% فهو شك مردد بين الصح والخطاء بنسبة متساوية، واما العلم 100% فهو يقين ، وهو المعبر عنه في الآيات الكثيرة بالعلم، فهذا هو التعريف المنطقي للظن.
ومع ملاحظة الآيات الكريمة وما حولها من القرائن في معرفة مرادها من الظن فان الظن الذي ينهى عنه القرآن الكريم الانسان هو ما يحكم به الفرد وما يقوم به من دون ان يكون عن دليل من اصل، او ان يكون عن دليل ولكنه يكون ناقصاً في مقدماته، فمثل هذا لا يعد علما، ويكون المرء معرضاً لآثاره السلبية في حياته الاجتماعية.
والقرآن الكريم حافل بايات كثيرة تنهى عن اتباع الظن، او اتباع غير العلم قال تعالى:(ولا تقف ما ليس لك به علم)، وقال تعالى:(ما لهم بذلك من علم ان هم الا يخرصون)، وقال تعالى:(ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين
ولنرجع الى الاية المباركة، قال تعالى:(وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (يونس ـ 36).
اذ نجد الآية المباركة تتحدث عن الاكثرية هنا .. وقد وقع الكلام لدى المفسرين عن معنى الاكثرية، وقد اختلفت اقوالهم ولا يهمنا هنا الآن ان نتحدث عن هذا الموضوع.
ونجد الآية المباركة قد تحدثت عن موضوع الظن وعن حقيقته .. فان الظن لا يغني من الحق شيئاً، فتوقفنا الآية المباركة على ان الظن في الحقيقة لا يؤدي الى العلم بتاتاً، وهو ان يعتمد المرء على اهواء او مقدمات ويبني عليها احكاماً اعم منها، وليس لها امام الحق والعلم صمود.
وللعلامة الشوكاني بيان جميل اذا قال في كتابه الفتح القدير(2/ 445):(والمعنى: ما يتبع هؤلاء المشركون في اشراكهم بالله وجعلهم له اندادا الا مجرد الظن والتخمين والحدس، ولم يكن ذلك عن بصيرة، بل ظن من ظن من سلفهم ان هذه المعبودات تقربهم الى الله، وانها تشفع لهم، ولم يكن ظنه هذا لمستند قط، بل مجرد خيال مختل وحدس باطل، ولعل تنكير الظن هنا للتحقير، اي الا ظنا ضعيفا لا يستند الى ما تستند اليه سائر الظنون).
وقال العلامة الالوسي في تفسيره (11 / 115):(كلام مبتدأ غير داخل في حيز الامر مسوق من جهته تعالى لبيان سوء ادراكهم وعدم فهمهم لمضمون ما افحمهم من البراهين النيرة الموجبة للتوحيد اي ما يتبع اكثرهم في معتقداتهم ومحاوراتهم الا ظناً واهياً مستنداً الى خيالات فارغة واقيسة باطلة كقياس الغائب على الشاهد وقياس الخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة ولا يلتفتون الى فرد من افراد العلم فضلا عن ان يسلكوا مسالك الادلة الصحيحة الهادية الى الحق فيفهموا مضمونها ويقفوا على صحتها وبطلان ما يخالفها، ثم قال: وتنكير (ظناً) للنوعية، وفي تخصيص هذا الاتباع بالاكثر الاشارة الى ان منهم من قد يتبع فيقف على حقيقة التوحيد لكن لا يقبله مكابرة وعناداً .. انتهى كلامه).
ومن هنا نقول .. ان الظن الذي فسره اعلام المفسرين والاصوليين ايضاً هنا هو الظن الذي لا يعتمد على دليل عقلي، فان مثل هذه الظنون لا تقبل الوقوف امام الادلة العقلية ابداً، اذ تنهار بمجرد ايراد ابسط الاشكلات العقلية والبديهية.
والقرآن الكريم يبين ان ما لديه من العلم هو قائم على الادلة العقلية المتينة، والتي لا يمكن لاي اشكال ان يزعزع اركان بنائها لانها قد احكت مقدماتها، وحصنت ادلتها فكانت النتيجة الحصول على نتائج برهانية متينة جداً، ولذا نجد القرآن الكريم دائماً وابداً يدعو جميع الناس الى ضرورة ابراز البراهين والادلة كي يكون بمستوى التحدي القرآني، والحق لا يوجد احد بهذا المستوى العالي، قال تعالى:(قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) .. وللموضوع تتمة.

هلال اللواتي

إلى الأعلى