الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العيد والفرحة الحقيقية

العيد والفرحة الحقيقية

هذا هو عيدنا، وأعيادنا لها سمات خاصة، ودلالات واضحة، فأعيادنا تأتي عقب طاعات، فهي من الله لنا مكافآت وجوائز قيِّمات، فعيد الفطر تسبقه عبادة الصوم، وعيد الأضحى تسبقه عبادة الحج، وهي عبادات تعيد للمرء إنسانيته، وذاته، ومكانته، حيث تغير سلوكياته، وتعدل أخلاقياته، وتسمو بعاداته، وترقى بمعاملاته، وأعيادنا أعيادٌ ربانية، دينية، اجتماعية، ترابطية، وُدِّيَّة تمتِّن الأواصر، وتقوِّي الروابط لأنها من عند الله العزيز الحكيم.
إن العيد هو الفرحة الحقيقية لكل طائع صادق، عرف قدر رمضان، وأدرك مكانته، وعظَّم حرمتَه، واستغل أيامه، ولياليه، وصباحاته وأماسيه، راح يتلو القرآن الكريم: ليله ونهاره، صبحه ومساءه، سفره وإقامته، ذاهبا إلى العمل، وعائداً منه ، صاعداً جبلاً، أو نازلاً وهْداً، مُتْهِماً أو منجداً، يتغنَّى بالقرآن الكريم، ويعرف معنى أنه شهر نزل فيه القرآن الكريم، فمنهم من ختمه مرة، ومنهم من ختمه مرتين، ومنهم من آتاه الله ثلاث ختمات، ومنهم من اصطفاه الله إليه، واتخذه حبيبًا له، فختم كتابه الكريم فوق العشر ختمات، ويبكي لقصوره، وعدم بلوغه عشرين ختمة، حيث كان الإمام الشافعي يختمه في رمضان ستين مرة، بمعدل ختمتين يومياً، وكان العلماء يدرِّسون طول العام، فإذا دخل رمضان خَلَوْا بكتاب الله، واستداموا تلاوته، وما انتفع منهم أحد بعلم، حيث يعشقون القرآن الكريم، ويهيمون بتلاوته في الغدو والرواح، والمساء والصباح، وكلما مَرَّ يوم من رمضان تنزف قلوبهم دَمًا، وتسحُّ عيونهم الدموع سَحًّا، وتتردد الصرخات منهم بليل في محراب حبهم، وطاعتهم لله.
إن العيد فرحة، لمن صام فأحسن الصيام، وأعطى له قدسيته، فلم ينظر لما لا يحل له، وغضَّ بصره عن الحرام، ويده عن أكل أموال الناس بالباطل، وصان رِجْله عن السير في طريق المنكرات، وأماكن الفحش والخَنا، وحجز قلبه عن الشهوات، أو التفكير في المنكرات، أو التهاون في ترك الطاعات.
والعيد فرحة لمن قام بالليل، وتعبت قدماه، حيث كان عندما يأتي ليل رمضان، فيذهب إلى القيام، ثم يعود إلى بيته، فيواصل القيام، ويأتي وقت التهجد في المساجد، فينزل، ويشاركهم صلواتهم، ودعاءهم، وقلبه يبكي فرحاً بالصلاة، ويكثر من الركوع والسجود، كان يصلي في اليوم الواحد كثيراً من النوافل، وفي رأسه أن الخصلة الواحدة تعدل فرضاً كاملاً، وأن الفرض يعدل سبعين فرضاً، فلو قلنا مثلاً: إن الصلاة الواحدة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في غير رمضان، فإنها في رمضان تساوي سبعة ملايين صلاة، فمجموع الصلوات المفروضة فقط تساوي خمسة وثلاثين مليوناً في المسجد الحرام، بخلاف السنن والنوافل والطواف والتسبيح والدعاء ونية فعل الخير لكل من تقع عينه عليه، ويحتاج إلى مساعدة.
العيد فرحة حقيقية لمن برَّ والديه، وإخوانه وأقاربه، ووصل رحمه بكل ما أمكنه ذلك، ودعا لوالديه، وكان بهما بارّاً: أحياءً كانوا أو أمواتاً، وأكثر من الدعاء، وألحف في السؤال، وألح على ربه أن يرحمهما كما ربياه صغيراً، وأكرم صديقهما، وبرَّ أهل والده، وعشيرة والدته.
العيد فرحة حقيقية لمن تصدق ببعض ماله، وأخرج زكاة فطره عنه، وعن عياله، وأطعم المساكين، ومسح على رؤوس اليتامى، ولاطف الصغار، واحترم الكبار، وأكرم ذوي الشيبة والعجزة.
العيد في الإسلام فرحة بسبب الزيارات الأسرية التي توطد العلاقات، وفرصة لإرجاع ما تفكك من الصلات، وضاع من العلاقات، والبطل فينا من جاء على نفسه لربه، ومن أعاد صلة رحمه لأجل مولاه، هذا يزور أسرة زوجته، ويلاطفهم، ويمازحهم، ويَدخل عليهم بالهدايا، ويقبَّل رأس والدة زوجته، ورأس والدها، وهذه تزور أسرة زوجها، وتعمل ما عمله زوجها ابتغاء رضوان الله ، وكلهم يلاطف الصغار، ويعطيهم العِدِيَّات، وكل ما يسعدهم من ألعاب، وهدايا، وينزل إلى مستواهم: يداعبهم، ويلاطفهم، ويعيش معهم سنَّهم وعقلهم، ويجبر بخاطرهم لله عز وجل ويحدث التزاور بين الأسرة، وبين الناس، وكلهم يدعو لأخيه، ويبارك له حلول عيد الفطر المبارك، وتشيع الألفة فى البيوت، والسعادة فى المنازل والقلوب.
العيد فرحة عندما يأتي الزوج إلى زوجته، ويبش في وجهها، ويضاحكها، ويتبادلان مشاعر الود، ويدخل عليها السعادة بالبسمة، والسلام، والدعاء، والحب، ويشاركها فرحتها مع الأولاد، ويخرج معها ومع أولاده إلى كل مكان، يسعدهم، ويدخل عليهم الغبطة والسرور، والسعادة والحبور، وإذا طلبت إليه زيارة أهلها كان أسرع فى التلبية منها لأنها حبيبته، وأم ولده، وأسرتها أسرته، وما يسعدها هو – بلا شك- ما يسعده.
العيد فرحة لكل من كان رقيق القلب، قريب الدمع، صافي النفس، رقيق الفؤاد، لم يضع منه فرض واحد فى المسجد، ولم يقصر في أداء سنة، ولم يتأخر عن النداء، فهو في المسجد قبل أن يُرفَع الأذان، ويصلي دوما في الصف الأول، ففي كل رمضان – كما يقولون – لا يرى قفا من أمامه لأنه في الصف الأول دائماً، وكان شعاره دوماً:(وعجلت إليك ربي لترضى).
العيد فرحة لكل هذه المعاني، وهاتيك الدلالات، ومن علامات القبول استمرارُ العبد فترة طويلة على ما كان فى رمضان من تلاوات للقرآن الكريم وطاعات وعبادات وتسبيح وذكر وشكر ودعاء، وكأن رمضان لا يزال يصاحبه، وبعد العشاء يظل يتعبد، ويقوم، يفتكر أيام رمضان الجليلة، وساعاته الجميلة، وقيمه النبيلة، ويتأسف على فوات الشهر الفضيل، فقد كان الصحابة ينتظرون رمضان من ستة أشهر، وبعد رحيله يتذكرونه ستة أشهر، فهو في قلبهم وعقلهم وشعورهم طوال العام، وينتظرونه بشغف، وشدة ولهف ؛ لأنه شهر الشهور، وغاية الغايات، وحبيب رب الأرضين والسموات، راح رمضان، وراحت أيامه العظام، يا لعيوننا من البكاء! ويا لقلوبنا من ألم الفراق والرحيل!، فهل يأتي رمضان آخر ونحن أحياء أم نكون مغيبَّين في عالم البرزخ؟، نتمنى أن نخرج إلى الدنيا فنعمل تسبيحة واحدة، أو دعاء أو صلاة ركعتين، أو دمعة واحدة في محراب الله، العلي الكريم، فيا ربَّ رمضان، ويارب كل العام، اجعلنا دوما لك في عبادة ، وارزقنا يا رب الحسنى منك وزيادة، وأعده علينا أعواما عديدة، وأزمنة مديدة ، اللهم إننا نحبك، ونحب طاعتك، ونسعى لرضاك فلا تحرمنا أن نكون دومًا من أهل رمضان، ومن أهل الريان، واجعلنا يا ربنا من أصحاب الجنان، وأتباع النبي – عليه الصلاة والسلام، اللهم باركْ في أعياد المسلمين، وارزقهم القبول أجمعين، وألا تحرم أحدا نعمة القبول فأنت خير مأمول، وأكرم مسؤول، اللهم تقبل منا رمضان: صياماً، وقياماً، وتهجداً، وذكراً، وشكراً، ودعاء، وبكاء، اللهم لك الحمد على نعمة العيد، وارزقنا فيه الفرح الحقيقي بقبولك لنا، واستدامة طاعتنا لك، يا رب تقبل، ومُنَّ علينا، وتفضل ، وكل عام وأنتم بخير، وتقبل الله منا ومنكم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتغتفر الخطايا والسيئات، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم
جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى