الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الاعجاز في الحج (1)

الاعجاز في الحج (1)

عزيزي القارئ: القرآن هو مصدر التشريع الأول في الإسلام, ولقد احتوى على تشريعات حكيمة وأحكام قويمة تقي الإنسان من التخبط في حياته, رحمة من الله وفضلاً منه على هذا الانسان, وتحقيقاً لسعادته في الدنيا والأخرى.
إن الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام, عبارة عن عبادة بدنية ومالية, وهي أصعب العبادات, لذا اشترط الله سبحانه وتعالى القدرة من كفاية مالٍ وصحة بدن وأمن وراحلة وزاد, قال الله تعالى:(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)(آل عمران ـ 97), وقد بنى الشرع الحنيف أداء العبادات على القدرة والطاقة والوسع والاستطاعة فليس من الحكمة تكليف عبادة أو حكم لا يُستطاعان, ويوجد في أحيان كثيرة مراعاة الحاجيات ورفع المشقة, كالإفطار للصائم, وقصر الصلاة للمسافر, وقال الله سبحانه:(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(البقرة ـ 185), لكن لعل البعض يتساءل لماذا شُرِع الحج؟.
والجواب: إن للحج حكماً كثيرة وفوائد عديدة ولا ضرر فيه ـ إن طُبقت أحكامه وشروطه وآدابه ـ مما يجعله اعجازاً تشريعياً, يعجز البشر عن التشريع بمثله, فمن حكمه الامتثال الكامل لله ـ جل جلاله, وعدم توكيل المسلم أموره للمخلوقين, وفيه يكثر ذكر الله أكثر من غيره, إذ ذاك من لوازمه كما يشجع الحجيج بعضهم بعضاً عليه بحماس عجيب, كما أن لباس الإحرام البسيط الموحد ـ لباس يشبه الكفن ـ مظهر من مظاهر المساواة بين البشر, ومظهر من مظاهر الزهد عن الدنيا والإقبال على الآخرة, واجتماعهم في موقف واحد وهو موقف محدد وفي زمن محدد يذكرهم بموقف يوم الآخرة وحشرهم إلى رب العباد, وحسابهم من قِبَل رب العالمين دون محاباة أحد على أحد, وأعظم اجتماع للمسلمين هو الحج, مما يحفز على التكافل بينهم, وجعلهم يداً واحدة, وتلغي بينهم الفوارق المادية, والحج المبرور جزاؤه الجنة.
وللحج ثمار طيبة, فهو يربي المسلم على تعظيم شعائر الله وحرماته, كتعظيم مقام ابراهيم ـ عليه السلام, قال الله تعالى:(فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)(آل عمران ـ 97), ويتحقق الإخلاص الذي هو روح العبادة في الحج, حيث أن الحاج يقبل على الله وحده, ويسأله وحده, ويدعوه وحده, وينحر له وحده, كذلك يُعلِّم الانضباط السلوكي للحاج, فمثلاً يعلِّم أن الوقوف بعرفة يوم تاسع, النحر يوم عاشر, والسعي بين الصفا والمروة والطواف حول الكعبة وكل واحد منهما سبعة أشواط, والاحرام بلباس معين من ميقات مكاني معين وفي ميقات زمني معين, والحج يربي الفرد على حب الجماعة والتعاون مع الآخرين, ويعزز انتماءه للمجتمع, ومن فوائد الحج التذكير بيوم الآخرة وأخذ الجائزة مقابل العمل للمقبول دون المخذول كما تكون الجنة للمتقي دون الكافر, ويحسن الحج خلق الحاج فهو يعوده على ابتعاد على مسببات العجاوة والابتعاد عن الفسوق, قال الله تعالى:(فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (البقرة ـ 197), كما أن الحج يربي الحاج على بذل الصدقات في محلها, كالصدق لفقراء الحرم أو لفقراء المسلمين, وجبر بعض النسك: كحلق الرأس في غير وقته، بدم أو فدية فيه تربية الشعور بالمسؤولية, كما أن التعلم متاح للحاج أولاً من فتاوى الحرم, وثانياً: من المعلمين في الحرم, وثالثاً: من المشايخ الرفقاء في الباص , ورابعاً: من مشايخ البعثة العمانية ً.
إن للحج حكماً وفوائد أكثر من أن تحصل, وليس له مضار, بل أن المضار تأتي نتيجة التصرفات الخاطئة للحجيج, وهب أن أحداً مات, فإنه يعتبر شهيداً بإذن الله, فأي تشريع أرضي يأتي بفوائد الحج, ومن علم محمداً ـ عليه الصلاة والسلام ـ بتشريع الحج ومن قال له أن به تلك الفوائد, أليس الله, ونخلص إلى أن الحج اعجاز تشريعي.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى