الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حكيم هذا الزمان (5) .. بلد واحد لشعب واحد

حكيم هذا الزمان (5) .. بلد واحد لشعب واحد

جلالة السلطان المعظم استطاع وبجدارة رسم ملامح وأساسيات وركائز العهد الجديد، وعلى أن تكون التسامح والصفح والوحدة والإخلاص والاجتهاد كل هذة الأشياء هي الأدوات للوصول بسلطنة عمان وبالشعب العماني إلى بر الأمان بقيادة حكيمة ورشيدة لجلالة السلطان قابوس ـ حفظه الله ورعاه.

استكمالا للمقال السابق والذي بدأنا فيه عرض ما ورد بالخطاب السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم إلى الشعب في الـ9 من أغسطس 1970م والذي أوضحنا فيه كم كان خطابا هاما ومحوريا تم فيه رسم أساسيات ومعالم البلاد، وذلك بصورة احترافية وواقعية وتقييم حقيقة الأمور.
ولقد أوضحنا ما تضمنه الخطاب من اهتمام جلالة السلطان المعظم بكل من الوضوح والمصارحة، وبث روح الثقة بينه وبين الشعب والتعليم كمفاتيح ارتكز عليها جلالته لتطوير السلطنة.
وقد أكمل جلالة السلطان حديثه للشعب العماني قائلا “سنتعرض لها الليلة أمر بالغ الأهمية، ألا وهو قرارنا بتغيير اسم البلاد، فمن الآن وصاعدا ستعرف أرضنا العزيزة باسم ((سلطنة عمان))” فقد اهتم جلالته بتوضيح الهوية الجديدة للبلاد بأن تم تحديد اسم جديد يعني بداية لعهد جديد، ويعني أيضا أنه لا مجال للنظر إلى الخلف ثانية، وأنه من الآن فصاعدا سيكون الاسم الجديد هو سلطنة عمان، يعني أن الجميع في بلد واحد يقودهم جلالة السلطان في بداية حقيقية جديدة، فهذا التغيير له أهمية ومعانٍ ودلالات قوية لتحقيق مستقبل مشرق للشعب العماني ولسلطنة عمان.
فقد أوضح جلالته السبب وراء تغيير الاسم وكان هذا في حديثه قائلا “إن اعتقادنا بأن هذا التغيير بداية لعهد جديد متنور ورمز لعزمنا أن يكون شعبنا موحدا في مسيرتنا نحو التقدم، فلا فرق بعد الآن بين الساحل والداخل وبينهما وبين المقاطعة الجنوبية، فالكل شعب واحد مستقبلا ومصيرا، ولقد بدأنا فعلا في دراسة تصاميم لعلم وطني يكون شعاره وألوانه شهودنا على عزمنا على توحيد بلادنا”. فلقد كانت كلمات جلالته واضحة وبصورة لا تدع مجالا للشك في الأهمية القصوى وراء هذا التغيير من أن يكون الشعب كله شعبا موحدا لكي يستطيع الجميع مواكبة المسيرة الجماعية نحو التقدم. كما أوضح جلالته بصورة جلية أنه لا يوجد فرق بين أفراد الشعب العماني ولا مجال للتعامل معهم حسب المنطقة الجغرافية، لا فرق بين أهل الساحل أو أهل الداخل، وأيضا أهل المقاطعة الجنوبية، فالكل شعب واحد ومستقبل ومصير واحد. كما اهتم جلالة السلطان المعظم بأن تصميم العلم الجديد للسلطنة يكون له دلالة على العزم الصادق والأكيد على توحيد السلطنة.
ولم يغفل جلالة السلطان أهمية أن يتجه الجميع بقلوب صادقة إلى الله عز وجل لرأب الصدع، وكان هذا في حديثه قائلا “فلنقف جميعا أمام الله مطيعين مخلصين مجتهدين مساعدين بعضنا بعضا، ومساعدين حكومتنا لتحقيق أهدافنا”. فاهتمام جلالته بالتركيز على الإخلاص والاجتهاد لما لهما من قيمة حقيقية وأساس يجب أن يتمسك به الجميع، وأن يساعد الجميع بعضهم بعضا، ولا يغفلون العمل المخلص والجاد في مساعدة الحكومة أيضا، على أن يكون هذا كله لأجل النجاح في تحقيق الأهداف.
كما يتضح أيضا الرغبة الحقيقية لدى جلالة السلطان المعظم في لمِّ شمل الشعب العماني، وكان هذا في حديثه قائلا “تتجه أفكارنا الآن إلى إخواننا الذين أجبرتهم ظروف الماضي التعس إلى النزوح إلى خارج الوطن، فلأولئك الذين بقوا على ولائهم لوطنهم، ولكنهم اختاروا البقاء في الخارج، نقول سنتمكن في وقت قريب من دعوتكم لخدمة وطنكم”. لم ينسَ أبدا جلالة السلطان المعظم من أجبرتهم الظروف في الفترة الماضية إلى الهجرة من الوطن، ولم يقلل جلالته من قيمة ولائهم للوطن، مع أنهم ارتضوا بالعيش خارجا، فقال جلالته في رسالة جادة لهم بأنه سيتمكن قريبا من دعوتهم، وتلك ليست دعوة سطحية أو دعوة لزيارة الأهل بل دعوة لخدمة الوطن الغالي وهذا يعنى أن جلالة السلطان يعتبرهم إحدى أهم الركائز لبناء السلطنة في المرحلة القادمة.
ولقد اهتم جلالة السلطان المعظم أيضا ببعض العمانيين الذين لم يكونوا موالين لوالده في الماضي، وكان هذا في حديثه قائلا “أما الذين لم يكونوا موالين لوالدي في الماضي أقول: ((عفا الله عما سلف .. عفا الله عما سلف، وندعو من فقد منكم جنسيته العمانية أن يعود إلى صفوف الوحدة في سلطنة عمان، لقد أصدرنا أمرا في هذا الصدد أن يعاد النظر فورا في تنظيم الهجرة والجوازات، كما أمرنا رئيس الوزراء أن يقدم توصياته حول كيفية إعادة الجنسية لإخواننا المبعدين، فنأمل أن تتمكنوا سريعا من العودة لوطنكم بحرية، وأن تجتمعوا بأحبابكم في سلام وفي ولاء لبلدكم العزيز”. فقول جلالة السلطان المعظم في بداية حديثه لهم بأنه عفا الله عما سلف، وهذا يعني أن الصفح والتسامح هما سمة العهد الجديد الذي قطعه جلالة السلطان على نفسه وتكرارها مرة أخرى يدل على إصراره على المضي قدما في الأمر. كما ألقى جلالته الضوء على ما حدث سابقا لمن فقدوا الجنسية العمانية فرحب بهم ووجه لهم دعوة حقيقية لكي يعودوا إلى صفوف الوحدة في السلطنة، وفي عهد جديد يسع الجميع، ويذيب كل الخلافات والمشاحنات والفوارق، ويبدأ جلالته مع الشعب العماني كله عهدا جديدا يبنى على أساس التسامح والصفح والوحدة والإخلاص والاجتهاد، وأنه بإصدار تعليماته إلى السيد رئيس الوزراء بتقديم توصيات حول كيفية إعادة الجنسية العمانية للإخوة المبعدين لهو أكبر دليل على صدق الرجل مع نفسه أولا، ثم مع شعبه وإصراره على بناء وطن قوي بمشاركة كل أطياف الشعب، وعلى أن يكون هذا سريعا لكي يعودوا إلى وطنهم بحرية، وعلى أن يجتمعوا مع أهلهم واحبتهم في سلام؛ لكي يشاركوا في بناء سلطنة عمان الحديثة القوية، وعلى أن يكون ولاء الجميع لسلطنة عمان البلد العزيز والغالي على قلب جلالة السلطان المعظم، وأن يصبح أيضا عزيزا وغاليا على قلب كل الشعب العماني على حد سواء.
وهنا يتضح أن بناء المستقبل يتتطلب أن يكون الجميع على قلب رجل واحد، وأيضا يتطلب رأب الصدع وتنحية الخلافات جانبا، فالأوطان تبنى عندما يكون ولاء الجميع لأوطانهم، وهذا ما أدرك جلالة السلطان قيمته وأهميته وعمل بجد وبصدق وبإخلاص، على أن يجعل كل هذه الأشياء واقعا يعاش فى سلطنة عمان.
كما أن جلالة السلطان المعظم استطاع وبجدارة رسم ملامح وأساسيات وركائز العهد الجديد، وعلى أن تكون التسامح والصفح والوحدة والإخلاص والاجتهاد كل هذة الأشياء هي الأدوات للوصول بسلطنة عمان وبالشعب العماني إلى بر الأمان بقيادة حكيمة ورشيدة لجلالة السلطان قابوس ـ حفظه الله ورعاه.
وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.
مع أمل اللقاء والشرف بكم في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

د. صلاح الديب
رئيس المركز العربي للاستشارات وإدارة الأزمات وخبير إدارة الأزمات في مصر والوطن العربي
Salah.eldiep@gmail.com

إلى الأعلى