الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حكاية نابليون بونابرت وزينب البكرية ـ «1»

حكاية نابليون بونابرت وزينب البكرية ـ «1»

محمد عبد الصادق

عندما تأكد بونابرت من فشل كل المساعي السلمية لإخماد الثورة أمر جنوده بتصويب مدافعهم على الجامع الأزهر بمن فيه, واتزلزلت القاهرة وأخذت المعركة تشتد وتحطمت جدران في الجامع العتيق ودخل الفرنساوية صحن الأزهر ودنسوه بخيولهم, ودهسوا كل شيء في طريقهم وقتل عدد كبير من المصريين الأبرياء, وهرب الناس من البيوت والشوارع وهرعوا إلى المزارع والجبال هربا من القصف الشديد.

عدما نجح نابليون بونابرت الامبراطور الفرنسي في هزيمة الأسطول المملوكي والوصول إلى مدينة الإسكندرية, قرر ألا يضيع وقته ويتجه مباشرة إلى القاهرة, وبعد مقاومة شديدة من أهالي رشيد والبحيرة, استطاع الوصول بقواته إلى القاهرة, وبحث عن وسيلة يكسب بها ود البسطاء من الشعب المصري لكي يأمن ثورتهم, فهداه تفكيره للتركيز على الناحية الدينية لما لمسه من سيطرة العاطفة الدينية على حياة المصريين, واتجه بنظره إلى ناحية الأزهر الذي كان يمثل المؤسسة الدينية في ذلك الوقت, والذي هرعت جموع المصريين إلى مشايخه طلبًا للعون والاستغاثة من مصيبة الغزو والاحتلال التي حلت بهم.
اجتمع نابليون فور وصوله القاهرة مع شيوخ الأزهر، وطمأنهم وأكد لهم احترامه الإسلام وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وأنهم سوف يحكمون أنفسهم بأنفسهم, وأنشأ ديوانا للحكم وعين فيه شيخ الأزهر ومجموعة من كبار العلماء وجعلهم في الواجهة, وضم الديوان أسماء كبيرة مثل شيخ الأزهر في ذلك الوقت الشيخ الشرقاوي, والشيوخ الكبار الصاوي والفيومي والسرسي والدمنهوري والعريشي والشبرخيتي والدواخلي, ومن الأعيان كان الشيخ خليل البكري.
في البداية صدق المصريون كلام نابليون وهدأت الأمور, لكن رويدا, رويدا اكتشفوا كذبه، وأن ديوان الحكم ما هو إلا ألعوبة في يد بونابرت, وأن الفرنسيين يحكمون قبضتهم على كل شيء في مصر، وانتشرت المظالم وثار الناس، وكان طلبة الأزهر في طليعة الثائرين، وخرجت من الجامع الأزهر الشرارة الأولى لثورة القاهرة الأولى ضد الاحتلال الفرنسي, حيث كان الأزهريون آنذاك هم الطبقة المتعلمة المثقفة الوطنية, وخرج شباب الأزهر الثائر إلى الشوارع والطرقات وخلفهم جموع المصريين حتى وصلت الحشود لبيت القاضي الشرعي، وطالبوه بأن يخرج معهم لمقابلة بونابرت وعرض مظالمهم, ولكن القاضي خاف على نفسه ومنصبه, ورفض الخروج معهم, فاقتحموا منزله ونهبوا ما فيه وتركوه بعد أن أوسعوه ضربا.
وبدأت الثورة ضد الفرنسيين تشتعل وتنتشر في شوارع وأحياء المحروسة، وانتقلت إلى الصعيد والوجه البحري, وتوافد الثوار من كل مكان إلى حيث مقر الثورة في الجامع الأزهر, وتجمع آلاف المصريين في صحن الجامع, وبدأ المشايخ يخطبون في الجموع ويلهبون حماسهم وينددون بالاحتلال الفرنسي الغاشم, وعندما علم الفرنسيون بما حدث تحرك الجنرال «ديبويه» الحاكم العسكري للقاهرة لاستطلاع الأمر, فاكتشف أن المصريين أغلقوا الشوارع المؤدية للأزهر بالمتاريس والحواجز, وأغلقوا الطرق المؤدية للجامع, وعندما حاول العودة من حيث أتى تعرض لكمين من الثوار؛ الذين انهالوا عليه قذفا بالحجارة حتى الموت.
عندما وصلت أنباء مقتل القائد الفرنسي واتساع أعمال العنف إلى القائد بونابرت, أدرك أن الأزهر هو سبب الثورة, وقرر أن يقضي عليه, وأطلق كتائبه المدججة بالسلاح إلى شوارع القاهرة ليمنعوا المصريين من التدفق لصحن الأزهر, وأرسل جنوده بالمدافع إلى جبل المقطم لتوجيه مدافعها للمتظاهرين, حاول مجموعة من الثوار منع وصول المدافع إلى المقطم، ونشبت معارك واشتباكات عنيفة واستشهد كثير من المصريين ولقي بعض الجنود الفرنسيين مصرعهم من بينهم الجنرال سلكوسكي ياور نابليون, ليشتعل غضب بونابرت ويكثف من ضرباته ضد الثوار ووسط هذه الملحمة الوطنية يخرج بعض شيوخ ديوان الحكم الموالين للاحتلال لتثبيط همة الثوار بدعوى حقن الدماء وعدم جدوى المقاومة لاختلال ميزان القوى بين المصريين والمحتل الفرنسي.
وذهب شيوخ الديوان إلى نابليون يستعطفونه ويسترجونه لوقف العدوان, ولكن نابليون قابل طلبهم بالسخرية والاستهزاء واتهمهم بالتقصير في عملهم وفشلهم في إسكات المصريين, وأعطاهم مهلة لإخماد الثورة وإقناع الثوار بالعودة لديارهم وإخلاء الميادين, وهرع الشيوخ المتخاذلون إلى حيث يتجمع الثوار في صحن الأزهر لمحاولة إقناع الشباب بالعودة إلى بيوتهم، وكفى ما حدث من قتل ونهب وخسائر في الأرواح والممتلكات, ولكن الشباب رفض كلامهم وطردهم شر طردة من الأزهر.
عندما تأكد بونابرت من فشل كل المساعي السلمية لإخماد الثورة أمر جنوده بتصويب مدافعهم على الجامع الأزهر بمن فيه, واتزلزلت القاهرة وأخذت المعركة تشتد وتحطمت جدران في الجامع العتيق ودخل الفرنساوية صحن الأزهر ودنسوه بخيولهم, ودهسوا كل شيء في طريقهم وقتل عدد كبير من المصريين الأبرياء, وهرب الناس من البيوت والشوارع وهرعوا إلى المزارع والجبال هربا من القصف الشديد, وتم القبض على آلاف المصريين والزج بهم في معسكرات الاعتقال, وتحول الوضع إلى كارثة عظمى شلت كل أوجه الحياة في القاهرة و ظهر شيوخ الديوان في المشهد مرة أخرى, وذهبوا لنابليون يرجونه وقف العدوان ويشتكون من انتهاك حرمة الجامع الأزهر ويطلبون هدنة ووقف الأعمال العسكرية, ويوافقهم نابليون بشرط إرشادهم عن قادة الثورة, وبالفعل يتم القبض على قادة الثورة ويتم التحفظ عليهم في بيت الشيخ خليل البكري عضو ديوان الحكم الموالي للفرنسيين, حتى يتم تنفيذ حكم الإعدام فيهم بعيدا عن أعين المصريين.
سجلت ثورة القاهرة الأولى خيانة الشيخ خليل البكري المنتمي لطبقة الإشراف وكانت له منزلة رفيعة لدى المصريين قبل خيانته, رغم أنه عاش حياة سرية مليئة بالفساد والعربدة ومقارفة المعاصي, ونتيجة لذلك حرم من رئاسة نقابة الإشراف قبل مجيء الحملة الفرنسية رغم أحقيته في المنصب حسب الترتيب العائلي, ولكن عائلته رفضت إسناد المنصب الرفيع إليه وأعطته للشيخ عمر مكرم المناضل المصري الكبير والذي هرب إلى الشام عقب دخول الفرنسيين مصر, ليستغل البكري الفرصة ويتودد لبونابرت ويقنعه بأحقيته في خلافة عمر مكرم وأحقيته بالمنصب, فيجد بونابرت فيه استعدادا فطريا للخيانة, فينصبه نقيبا للإشراف رغم اعتراض المصريين ويقربه منه, ويدخله ديوان الحكم ويستخدمه في الإيقاع بالمصريين المناوئين للاحتلال.
وكانت لخليل البكري ابنة جميلة اسمها زينب, وكان أبوها يدللها ويترك لها الحرية في الخروج والاختلاط وسماع الموسيقى وارتداء الملابس الإفرنجية؛ تشبها بنساء الحملة الفرنسية, وتوطدت العلاقة بين بونابرت وخليل البكري لدرجة أن منزل خليل البكري كان المكان المفضل لزيارات وسهرات نابليون الليلية؛ حيث الحفلات الراقصة التي يختلط فيها الرجال بالنساء من الفرنساوية, وانضم إليهم بعد ذلك المصريون الذين افتتنوا بالثقافة ونمط الحياة الغربية وأصبحوا يقلدون كل ما يشاهدونه من الفرنسيين, ومن هؤلاء كانت زينب البكري وعدد من صديقاتها المتبرجات اللاتي تعلمن اللغة الفرنسية وارتدين الملابس الجريئة, وبمباركة من الوالد المتراخي خليل البكري, حتى تحولت سيرته وسيرة ابنته إلى مضغة في أفواه المصريين.

إلى الأعلى