الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / «الإبداع والمشروع الحضاري» يوضح ضرورة عدم انطواء العرب داخل قواقع فكرية منعزلة
«الإبداع والمشروع الحضاري» يوضح ضرورة عدم انطواء العرب داخل قواقع فكرية منعزلة

«الإبداع والمشروع الحضاري» يوضح ضرورة عدم انطواء العرب داخل قواقع فكرية منعزلة

عندما يناط بالثورة التكنولوجية اللحاق بركب التقدم
القاهرة ـ من أسامة نور الدين: يأتي كتاب «الإبداع والمشروع الحضاري»، لمؤلفه الدكتور أنور عبد الملك ليوضح ماهية المشروع الحضاري لكل أمة والتي تسعى إليه لتؤسس كياناتها وقدرتها على الاستمرارية، فإما أن تقف دولة وشعب عند مفترق طرق لا تعلم كيف تدير مستقبلها فتلك طامة كبرى سيدفع ثمنه أجيالها القادمة ومواطنوها أو أن تسير في طريق التحديث والتطور وليس أمام أي أمة للنهضة سوى العمل والجد والاجتهاد وتسخير الموارد وتعظيم الإمكانيات وتشجيع الإبداع من أجل التنمية والنهضة المتواصلة والنمو المستدام، فالصراعات الداخلية والخارجية والفرقة والتناحر لا تصنع سوى التشتت والنزاعات التي توئد فرص النهوض بالمعيشة للشعوب.

والملاحظ أن البلدان الكبرى التي تتقدم تركز على الاستقرار أولا وتماسك الشعب وعمله ثانيا وغرس حب ورفعة الوطن ثالثا بينما تشتت أطياف البلد الواحد يخلق حالة انفلات يدفع ثمنها جميع أفراد الشعب.
ولعل العالم قد مر بالعديد من النظم الاقتصادية التي تصارعت وتخبطت بين الصعود والهبوط فكان النظام الدولي بين الثورات البرجوازية والصناعية تلاطمه أمواج التغيير وتبديل الأحوال حتى أن عصور التنوير تحولت نحو مفاهيم الشمولية للعالم وكأنه صار قرية معلوماتية لكن لا يزال صعود الهيمنة الأميركية على أنقاض الاستعمار الغربي القديم له سلبيات عديدة انعكست كثير من صورها على المعمورة كلها سواء بشكل سياسي أو اقتصادي أو ثقافي.

فلسفة الصراع
يبدو للوهلة الأولى للمتأمل حول ثقافات العالم ارتباطها حاليا ببؤر صراعات سياسية سواء كانت خافتة أو مشتعلة بينما تحمل في جوهرها مشاعل اقتصادية سواء أطماع أو طموحات فالغرب بات مهيمنا على الاكتشافات الكبرى يسيرها لصالحه بينما دفن الاستعمار التقليدي للأبد وتبدل بدلا منه الاستعمار الثقافي والصراعات التقنية والثورات المعلوماتية التي جرفت العديد من شعوب العالم وسط أمواج البحث عن الربح والكسب السريع بأي ثمن.
لكن تبقى ثقافة الغرب الراغب في السيطرة على منابع الثروات في العالم حتى لو على حساب المجتمعات النامية والفقيرة التي أحيانا كثيرة لا تقدر قيمة الثروات الطبيعية والبشرية والتعدينية والبترولية التي تمتلكها دولها لفقدانها قيمة التعليم والعلم وتشجيع المواهب والإبداع.
ولعل الحروب العالمية التي شهدها العالم يجمع الخبراء على أنها لن تتكرر في ظل لعبة كبرى لتبادل الأدوار والمصالح تدور في أفلاك القوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة فهناك خطوط حمراء لا يتجاوزها أحد في السياسة والاقتصاد الدولي ترسمها جسور الثقافة سواء كانت بطرق معلوماتية أو دبلوماسية.
لكن المهم أن التصور الفلسفي لعلاقات البلدان في هذا العصر باتت تحكمه إطارات حضارية كبرى تندرج فيها قوميات الشرق والغرب في إطار مصالح يغلفها بينما تبدو لعبة السياسة تخدم في جوهرها نزعات حب جني الثروات خاصة من قبل البلدان الكبرى المتعطشة لاستكمال النمو والثراء وعدم خفض مستويات المعيشة المرتفعة بها حتى لو كان الثمن على حساب ثروات ومقدرات شعوب ترزح تحت وطأة الفقر والبطالة والجهل بقدراتها الحقيقية ومواردها الهائلة.

فكر التحرر
لقد تحررت آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية من الاستعمار التقليدي لكن هناك نظما بعينها فرضت عليها بشكل مباشر وغير مباشر من أطراف خارجية تحمل معها أجندات مصالح.
وبقى مفتاح العلم والثورة التكنولوجية والإبداع هو المنوط به أمام الشعوب العربية والنامية للحاق بركب التقدم والتفوق وليس الاستسلام لمنجزات الغرب واكتشافاته وذلك لكسر التبعية خاصة بالنسبة للقرارات والمعطيات السياسية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بفلسفة التعاملات الدبلوماسية والثقافات الاقتصادية للحكومات العربية التي يمكن لها أن تحدث صحوة إن أرادت النهضة بشعوب الشرق ومجتمعاته دون الانغماس في صراعات وخلافات ضيقة.
فالواقع يقول إن عالمية العالم هي عولمة المستقبل وليس فرض الهيمنة هو الحل فليس العالم كالبحر يأكل فيه السمك الكبير السمك الصغير ولكن الظاهرة الواضحة أن الشعوب النامية ينبغي أن تثقف نفسها بنفسها وأن تصبح قادرة على وضع نظم اقتصادية وتكنولوجية خاصة بها عن طريق دعم وتشجيع الإبداع كمفتاح لفتح باب التنمية والنهضة المنشودة.
فالاتكاء على أفكار مستوردة يقود نحو تنفيذ أجندات خارجية تآمرية خاصة من قبل اللوبي الصهيوني حيث إن تلك الثقافات الدخيلة تشبه وضع السم في العسل.
ومن الملاحظ ظهور فجوات هائلة داخل المجتمعات العربية تنبئ بانهيار القيم والأخلاق واندثار الثقافة وفكر الحضارات، فالتسلط وهيمنة الأثرياء كصورة عالمية بدأت تتسرب لمجتمعات المنطقة ليزداد الأثرياء ثراء والفقراء فقرا.
وتحتاج البلدان العربية لمركزية الجمع بين السلطة الوطنية والثقافة الخلاقة التي وحدها تقدم معاني الإبداع في كل مجالات الفكر والعمل.
ويجد المتأمل للعالم اليوم تناقضات فارقة، فقلة من الشعوب والدول تحتكر الثراء والتقدم بينما نشأت إشكالية لدى الشعوب النامية لكيفية صون ثقافتها وحضارتها بعد أن تمكنت من الاستقلال والتحرر، فالقنوات الإعلامية والثقافات المستوردة بدأت تتحول لما يشبه البراكين التي تقذف بحممها المجتمعات الشرقية والعربية لطمس هويتها وحرق تراثها الثقافي.
وتلك معضلة صعبة المراس فمن ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل وكيف لشعب أن يسعى للتقدم وقد طمست هويته وتبدلت معالم قيمه ؟ وتلك معضلة كبرى تواجه الشعوب العربية حاليا التي تحتاج إلى خصوصية التغيير لمراعاة الثقافات النابعة من الذات لتتم عملية التطور دون انزلاق لدوامات التقليد الأعمى للغرب والولايات المتحدة.

خصوصية ثقافية
يملك العرب كافة مقومات النهضة لكن ينقصهم ثقافة حضارية دون نزعات فردية بدرء شرور المفسدين والطامعين وتنقية الأجواء السياسية لترسو التنمية المطلوبة على شاطئ الاستقرار والعمل والجد بتعظيم ثقافة الإنتاج والإبداع وخدمة الوطن وتقدير العلماء والعلم والبحوث ووضعها موضع التنفيذ حتى لو كانت البداية بالنقل من الغرب مثلما قام هو في عصور نهضة المسلمين والعرب وإمبراطورياتهم الكبرى فليس ذلك عيبا إنما الخطأ المكوث تحت وطأة الأزمات والتراجع عن ركب التقدم الذي تعيشه البلدان المتقدمة ولا يمكن للعرب أن يعيشوا في جحور ولا يمكن العودة إلى مرحلة تفتت المجتمعات القومية في العالم إلى مناطق جيوسياسية رغم ما يعانيه العالم العربي كحالة منفردة من انتشار ظاهرة الدويلات وتقزم البلدان في ظل الصراعات والحروب لكن المطلوب اليوم تماسك المجتمعات التي ستلفظ أي نزعات طائفية أو عرقية أو مذهبية تريد هدم المستقبل قبل ولادته بثقافة البحث عن الحضارة والمدنية مما يستوجب إيقاظ الضمائر والعقول ورسمها الأفكار الصحيحة بدلا من المقامرة بخلافات رخيصة حول أطماع واهية.
ومن المهم إدراك أن العالم يدور من حول العرب في فلك عالمية دولية للقضايا والمصالح كأمر راسخ قائم على الهيمنة الغربية وليس المطلوب محاربة الغرب ولكن تنقية ما يصل للعرب منه من ثقافات وسياسات بل وأخذ العلوم والبحوث والاكتشافات منه لصقلها بالإبداع العربي والسير بها في طريق تطويرها بهدف النهضة والتنمية بتحديد الذات القومية لدى الشعوب العربية ومزجها بالجديد الخلاق من الثقافات مع مراعاة خصوصية مجتمعات المنطقة وإمكانياتها وطاقتها القابلة للتعبئة ومن ثم الاعتماد على الذات في الأساس مع غرس ثقافات إيجابية وليس أنماطا استهلاكية وانتهازية ووصولية باتت تشكل عائقا حاليا أمام العديد من الخطط والمشروعات التنموية العربية.

إلى الأعلى