الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / من أجل عيد وفرح

من أجل عيد وفرح

علي عقلة عرسان

فكرت في بعض هذا الخداع الذي يكتسح عقولًا فيحيلها مساحات من عصفٍ مأكول، وفي أفواه وألسنة تباعَد ما بينها وبين عقل يجدِّيها ويلجمها ويحكمها ويشفيها، ووجدان منير يلهمها ويهديها، ويستنقذ من بينها طاقات وإمكانيات، يمكن أن تبدع وتُصلِح إذا تخلّصت من البيئة التي تحكمها، ومن التيار الذي يسحقها.. لقد اشتطت تلك الفئات، وذهب بها الغي كل مذهب.. فأخذت تلهج بالباطل: تصنعه وتمضغه، وتلوك الادعاء الفارغ، وتفرغه..

كل عامٍ وأنتم بخير..
العيد فرح، فرحٌ عام، فرح مع الجماعة، وبها، وبما جمع شأنها على فرح، في عيد من الأعياد الإسلامية الرئيسة الثلاثة: “الجمعة، والفطر والأضحى”. هذا يوم عيدنا، عيد الفطر المبارك، فبورك للصائين يم فرحهم بإتمام شهر الصوم، وبجني بركة الطاعة.. وكل عامٍ وأنتم بخير.
ينقص العيد العام، إذا كان ضيقًا، ومنقوصًا، ومحدودًا، ومُرَدَّعًا بالدمع والوَجع، إنه يصبح مدخولًا بالافتعال.. والعيد فرح القلب والروح.. لكن أين العيد، وأين الفرح، والقلوب والأرواح في جراح؟! لا بد من عيد، ولا بد من فرح.. ولا بد من ساعة للروح، وراحة للقلب.. “روِّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإنَّ القلوب إذا كَلَّت عَمِيَت”.. فكيف بنا، إذا طلبنا الترويح سنة بعد سنة، بعيد بعد عيد، عيد يستحق اسم العيد من حيث هو فرح القلب والروح، فلم نجد إلى ذلك سبيلا؟! حسبنا الله.. ولا بد من عيد.. وكل عامٍ وأنتم بخير.
ندلف من ليلة القدْر إلى بوابة العيد، ومن يوم القدس إلى دوامة سياسية فيها البؤس، ومن تفجير في المدينة، إلى يوم الزينة.. دربنا زَلِق، وخطونا توجّس، وأنفاسنا توهّج، وفضاؤنا وعيد، ومن حولنا المنذرات تترى واحدة بعد أخرى.. اقتصادية وسياسية واجتماعية، داخلية وخارجية، فردية وجماعية، عسكرية وأمنية ودموية. وما تجره هذه وتلك والأخريات يصب في حوضنا، ويكوّن ماءنا، ومزاجنا وسماءنا، ويصنع لحظتنا الراهنة، ويكاد يلون أرواحنا وزماننا.. فنحن، في كثير من بقاع أرضنا، ومفاصل قضايانا، وتوجهات نفوسنا، ومنتجات عقولنا.. نقع تحت رحمة من هو أشدّ منا، وأقوى، وألدّ في الخصام.. سواء أوَفَد علينا من خارج الجغرافية والتاريخ، أم نبت بين لحمنا وعظمنا، أو هبَّ في بيئتنا المادية والروحية، أعاصير دموية.. ويستبد ذلك ما شاء له أن يستبد، وينقلنا على هواه من شجار، إلى حصار، إلى نارٍ، إلى دمار.. ومن فساد إلى أشدّ من الإلحاد.. يفعل بنا ذلك مستبدٌ تزين له نرجسيته الاستبداد، ويعينه عليه من يمضغون لحمنا بتلذذ، آناء الليل وأثناء النهار.. إنه يدمغنا بما شاء من الصفات، يتهمنا ويحاكمنا ويحكمنا، ويأخذ منا تكاليف تعبه، علينا ومعنا، إذ يسلبنا الحرية والعدل والكرامة، ويسجننا ويعدمنا.. فله الغُنم وعلينا الغُرم. مَن يصنع صورتنا على هواه، يضع في عيوننا اللون الذي يشاء، ويحدد لنا زاوية النظر، وآلية الإبصار، وإدراك المبصَر، وقراءة ما نرى، وفهم ما نقرأ، فكأنه يقول لنا: “انظر ولا ترَ، وره ولا تنظر، وافهم ما نشاء، ونفذ ما نقول.. وحوقل حتى ترضى”.. وفي كل الأحوال أنت أعمى يُرسَم لك دربُك، وتلاوينُ رؤاك.. ويُراد لك أن تبقى كذلك محاصرًا بما صُنع لك، وما صُنع فيك.
مسكين من يحرث أرضَ الآخرين ويثمِّرُها ويأكل ذاتَه، من يفإِّق شعبه وجماعته وأسرته ويبقى وحده، عاريًا معرورًا.. ومن يَغرَق في دمعه ولا يستنقذ عينيه، من يُدمن اليأسَ والبؤسَ، ويراهما قدَرًا مقدورًا وحماية وكفاية.. ومسكينٌ من ينام على بداية ظلم، فيستيقظ على فظاعة ضيم، إنه يضيع ويضيِّع، ويفقد الفرق بينه وبين الأشياء، وكل صلة له بمعنى الحياة وكرامة الأحياء.
عند عتبة عيد الفطر، وفي الأيام التي تُلتَمس فيها ليلة القدر، وفي يوم القدس.. سال دمنا، ومُنعنا من الصلاة في الأقصى المبارك، وفي مساجد أخرى، وانتشر الرعب في طِيبة، المدينة المنوَّرة، بسبب الإرهاب قرب مسجد الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم.. وفي أيام وأيام ومناسبات ومناسبات سابقات، استمعنا إلى مجرمين يتكلمون عن الأبرياء والبراءة، عن الحق والعدل والحقيقة، من فوق منابر عدة، منها منبر الأمم المتحدة، وانتهت إلى أسماعنا نصائح وحوش ضارية، بعدم افتراس الناس، بينما كانت تلغ في دمهم، وتمضغ لحمهم، وتتلذذ بألمهم وشقائهم، وغزتنا ألسنةٌ حدادٌ، تتكلم باسم الجياع، بينما أصحابها هم الاحتكار والسَّلْبُ والنهب والإفقار، ووجع الإنسانية وعريها وعارها وسرطانها المزمن؛ ورأينا فجارًا وتجار سياسة وتعاسة، يعربدون في أنحاء العالم عبر الفضائيات، وفي أسواق البورصات.. يحذرون من الخطر الذي صنعوه بأيديهم، فهم الخطر المقيم، يتباكون على المستقبل وهم من يدمر الحاضر ويهدد المستقبل.. يعظون الناس وعظًا ممجوجًا، ويعتلون منبر الأمم الذي احتقروه حين كان احتقاره في مصلحتهم، واستغلوه حين كان استغلاله في مصلحتهم.. يعتلون المنبر ليتكلموا حول الاستقرار والازدهار، السلم والأمن والأخلاق، وهم جشع التجار، وأساس الحروب، والخطر المستمر على الأمن، وهم أرباب الإرهاب، والقاتلون باسم محاربة الإرهاب.. ومن يحمي الإجرام ويشعل الفتن، ويفتيت البلدان والشعوب، ويسبب بؤس الأخلاق، وتردي أوضاع العالم في أزمان الحرب والسلم.. وقرأنا في صحف عربية مغتربة غرائب طالما اجترحتها ومن ثم تلونت وتملصت أو كابرت ومضت في غيها، قرأنا لأشخاص تغرّبت ضمائرهم ورؤاهم قبل أجسادهم وعقولهم، قرأنا إشادات بيهود يوظفون الفتنة بفنون لخدمة سياسة الاحتلال والإرهاب والإذلال والاستيطان.. يطالبوننا بنسيان الماضي، وتجاوز ما أنتجه الاستعمار وما فعلته الصهيونية، ويحذروننا من عدم الإقبال على أولئك، إقبال العشاق الهائمين المعجَبين بكل ما أتى ويأتي به أولئك “الأصدقاء.. بل الأحبة؟!”، فهم من نور ونار، ونحن ظَلَمَة فجَّار، من عتمة وحَمَئ مسنون وطين لم يشوَ على نار.. هم ملائكة العصر وأبرياؤه المضطهدون، ونحن إرهابه وخرابه ويبابه وترابه.. ولأنهم قهرونا يومًا فيجب أن يبقى قهرهم لنا أبديًّا، وفي ذاكرة لا تنساه، بل لا تعي سواه.. إذ علينا أن نستلذَّبوضع المقهورين، لأننا، وفق رؤاهم، لا نستحق غيرَ هذا إلى يوم الدين؟!.. قرأنا لهم ما كتبوه، وما استنطقهم إياه اليهودُ وحلفاء اليهود وأتباع اليهود.. ومَن يرعى العنصرية ويستثمر في الإرهاب، ومن يمارس الإجرام ويتهم الأنام بالإجرام.. فعجبنا إذ يشيدون بالجلادين، ويرفسون في قلوب الضحايا.. وعجبنا كيف يشيدون بالقتَلَة ويقدمونهم رموز “إخاء وسلام وفرح وصلاح”؟!، ثم يرفسون ثانية في بطوننا لكي نستيقظ من وهم العروبة، والإسلام، وفلسطين، والقدس محررة، والأقصى مباركًا مصونًا.. ونشفى من المطالبة بحق العودة إلى أرض الآباء والأجداد، ومن التمسك بهوية عربية، وقضية فلسطينية، وقيم عربية ـ إسلامية، ومن وهم الأحلام القومية والوطنية والإنسانية.. إذ إن ما علينا، بعد الذي مرَّ بنا وفعناه بأنفسنا، وبعد الذي فعله الآخرون بنا، وبد كل الذي بقي لنا من ذواتنا وأوطاننا.. إلا أن نخضع ونركع، وأن نمجّد الكبار “المجرمين”، ونعلي شأن العملاء، ونسير خلف الأغبياء، ونُقبل إقبال الهِيم، على ما يقدمه العنصريون والمستعمرون وأتباعم وأدواتهم لنا، من سلام الاستسلام، وتقسيم المقسم، والخوض في الحروب المذهبية إلى آخر الزمان.. فهو كل ما تبقى للمهزومين، ولا قيام لهم؟!!
في ليلة القدر، عند عتبة عيد الفطر، وفي غمرة يوم القدس، وعلى وقع أخبار المعارك المستعرة، والتفجيرات في سوريا والعراق واليمن والمدينة المنورة، ومع اعتقال الصهاينة المحتلين لأفواج جديدة من الفلسطينيين، بعد قتل من قتلوه منهم.. تمَاوَج أمامي الأمل واليأس، الفرح والحزن، العزم والتخاذل، الرضى والغضب.. وبلغت ما يمكن وصفه بحدِّ التشظِّي، حيث تداخلت أمشاج الصراعات والمؤامرات والمساومات، والمصالحات المستعصيات، في هذا الركن أو ذاك من أركان أرض العرب على الخصوص، مع مساحات من الخداع والنفاق والتواطؤ، لا نهاية لها.. وفكرت بأمر من يرفع نفسه دولة فوق الدولة، ومصلحته الضيقة فوق العام والخاص، ملغيًا الشعب والدولة، وبأمر من يرى القانون مختصرًا، في رأيه وإرادته ومصلحته وهواه، وبأمر من يلغي الآخرين من موقع التعالي عليهم، معتبرًا نفسه بداية التاريخ ونهايته، والمخوَّل، باسم “الله والشعب والوطن والقيم..؟!” بأي شيء يقرّره ويراه أو يتخيَّله، ويُزَيَّن له، وبالقصف والقصم والحسم.. وبكل ما يقتضيه إنهاء الآخرين.. وفكرت في سياسات من هذا النوع، تَحكم إعلامًا وثقافة، وتتحكم بمواقع عمل، وأسباب عيش، وبعلاقات ومقومات حياة.. فلا تنتج إلا النفاق والبلاء، والشّقاق والشقاء، وتؤجّج الحقد والكراهية، وتثيرهما وتثير بهما، زَوابع من الشر، فيحوِّل ذلك الرَّمَدَ إلى عمى، ويفضي إلى الإدْلاج في عماء الفتن، والولوج إلى صراعات تحيي ما دَرَسَ من صراعات عفيها الزمن.. وأيقنت أنه لكل ذلك وبه، يطول عمر الجهل ويتجدد، وتتشامخ العنجهية وتتمدد، وينتفخ الباطل ويتشدَّد، ويسود الظلم ويتأبَّد، ويتسيَّد الطغيان ويتزيَّد، وتترسخ انتهازية مُفسِدة، وينتشر الفساد والإفساد، فتتحول البيئة الاجتماعية كلها إلى مَفْسَدة.. وفكرت في إعلام يعيش على الإشاعات أو يصنعها، وينشرها ويروِّج لها، فتؤسَّس عليها مواقف ومعارف، وتتأثر بها أنفس فتعيش تفاصيلها وتنمي عقابيلها.. كما فكرت بـ”مثقفين” يرفعهم الولاء السياسي، وذلك النوع من الإعلام الفاسد، يرفعهم مبدعين وعلماء وأعلامًا مُمَيَّزين، وتطبل لهم سياسات لا تقرأ،ولا يهمها أن تُظهِر حقائق، وتبني عقولًا وضمائر، ووعيًا اجتماعيًّا ومعرفيًّا.. بل ما يهمها أن يكون لها أتباع لا أكثر ولا أقل.. وتصنعهم أو تتبناهم أيديولوجيات محنطة تجاوزها الزمن، هي الغلو والإلغاء والفاشية، فتجعل منهم حراسًا للمحنَّط فيها ولما تجاوزه الزمن منها، وما كُشِفَ زيفه فانهار بضجيج وعجيج، كما انهارت بضجيج وعجيج.. تجمعهم وتجعلهم يتنفسون هواء غرف مغلقة، في أجواء متعفنة، يسكرون ويمكرون ويفترون، ويدعون أنهم الثقافة والعلم والحكمة والعصمة، وأنهم المستقبل الذي يتوقف كل مستقبل على الأخذ بما يقول به.. وما هم وما يتبعون ويحرسون، ما هم هم في حقيقة الأمر، سوى كتل بشرية خارج دوائر كل ما يدعونه ويزعمونه من ثقافة تبين حقيقتهم كما قيل منذ عقود من الزمن “حركات هدامة”.. ولكنهم لا يفقهون.. ويفتكون بكل حقيقة ومعرفة وفضيلة، ولا تعني لهم الحقيقة والفضيلة والمعرفة شيئًا، اللهم إلا أن يكونوا كسيبَة، وأصنامًا، وسدنة للأصنام.
فكرت في بعض هذا الخداع الذي يكتسح عقولًا فيحيلها مساحات من عصفٍ مأكول، وفي أفواه وألسنة تباعَد ما بينها وبين عقل يجدِّيها ويلجمها ويحكمها ويشفيها، ووجدان منير يلهمها ويهديها، ويستنقذ من بينها طاقات وإمكانيات، يمكن أن تبدع وتُصلِح إذا تخلّصت من البيئة التي تحكمها، ومن التيار الذي يسحقها.. لقد اشتطت تلك الفئات، وذهب بها الغي كل مذهب.. فأخذت تلهج بالباطل: تصنعه وتمضغه، وتلوك الادعاء الفارغ، وتفرغه لأتباعها بحمية، جهلًا وجاهلية، وتنشر ذلك على أنه “حقائق”، ملء فضاءات ومساحات، ليسجلها تاريخ “ظالم مظلم”، وقائع وحقائق، وترفعها بعض السياسات “منارات” ومآثر، ويُزجَى لها ولأهلها التكريم والتعظيم، وتنسب إليها كرامات ومكرمات..؟! إن كل ذلك الخلط والتخليط يرتد على الناس والبدان والقيم والثقافات وبالًا، ويمنعها من الخلاص الحق، والتقدم بمفهومه الصحيح المعافى. وفكرت في مثقفين متمكنين، يبيعون أنفسهم للشياطين، ويزوّرون ما يُطلب إليهم تزويرُه، وما شاءت لهم أنفسهم وأطماعهم أن يزوروه.. يكذبون ملء الرئتين مع كل شهيق وزفير، فيرتفعون أكثر كلما كذبوا أكثر وكسبوا أكثر.. وفكرت في أجيال تُساق سوق القطعان، إلى ميادين وميادين، في بعضها فناء الجسد، وفي بعضها الآخر خراب الروح وانتهاك الجسد.. تركض على إيقاع حداء حماستها ونظافتها، وأحيانًا بدوافع من شهواتها، وغرائزها، ونزواتها، وتطلعاتها، وحتى غلوّها.. فتبلغ غايات ومشارب ومآرب متنوعة، سلبية وإيجابية، وفي الكثير منها، من تدني الهمم والتطلعات ما فيها، فيفرح لذلك من يريدون لها ذلك، من أعداء الأمة ومن يرتبطون بهم ويعملون لمصلحتهم.. وهذا الذي يفتك بعدد كبير من الأجيال، لا يكاد يعرفه أو يهتم به حكامٌ ومسؤولون يتولون زمام أمور الأنام، أو أنهم قد لا تهمهم أمورهم أصلًا، أو أنهم لا يصل إليهم من تلك الشؤون إلا ما تشاء عيون وعقول وألسنة تحاصرهم، أن يصل إليهم منها.. وتلك الفئات والعناصر الفاعلة، هي ممن يفتك بتلك القطاعات لأغراض منها الهوى والتعصب والانغلاق، أو لأسباب تتصل بانعدام النضج والأهلية، أو تكون تلك الفئات والعناصر ممن يكتسحهم النفاق والانتهاز والارتزاق، ويفتك كل ذلك بهم فتكًا ذريعًا، فيبقي منهم القامات الفارعات الفارغات، والمظاهر اللافتات لسطوح الأنظار، ولا يهمهم ما تدركه البصائر عبر الإبصار..
فكرت كثيرًا، بأمور كثيرة، وأنا على عتبة العيد، لكنني لم أستطع أن أقارب ضفاف أمورًا أخرى، منها شقاء شعبٍ عزيز عظيم، امتد شقاؤه طويلًا.. شعبي الذي يُقْتَل كل يوم، ويتشرد كل يوم، ويلهث وراء الأمن والرغيف، والدواء، والإيواء، والكساء كل يوم.. الشعب الذي لم يعرف الذل ولا يقبله، وقد أصبحت تسوطه اليوم سياط أذلاء، في مواقع كثيرة من البَرِّ والماء.. شعبي الذي أصبح يشقى بذاته، وصفاته، ومآلاته.. حيث كان الكرامة، وما زال يطلبها.. ولكنه لا يجد اليوم أرضًا يستقر فيها ويبني عليها، ولا يجد لحظة من دون خطر الموت، أو لفح العذاب والإرهاب، أو ضغط الحاجة.. ولا يجد شيئًا من ذلك حتى في يوم عيد، يُفتَرَض فيه أن يمر على المرء، فيصبح سعيدًا؟! لم أستطع أن أقارب تلك الضفاف، لكثرة ما غرسته وتغرسه من سكاكين في كل مفصل من مفاصل روحي وجسدي، وفي كل تفاصيل أحشائي.
فكرت في بشر وأوضاع وأوقات، يقيم معك فيها السّهدُ والقلق اللذان قد يزورانك على ظهور خيل التأمل، فلا تكاد تجد لنفسك منهما فكاكًا، ولا تستطيع أن تتخلص من نفسك لترتاح منهما، ومما يلاحقك ليلك ونهارك، ويشتدُّ عليك، ويشدك إليه شدَّ اللجام للفرس.. وحين تجد نفسك مع حزمة مشكلات تحاصرك، وتسد عليك منافذ التفكير في سواها، فإنك تدخل مداخل حرجة قد لا تخرج منها إلا بحَشَفٍ من الرأي والقول.. حين تعرضهما على بساط التنفيذ في أرض الواقع المر، أو مع من لا يهمه ما يهمك، ويغرق فيما لا تغرق فيه من همِّك.. تجد نفسك غريبًا عن نفسك وعما يحيط بك، وتكاد تكون العجز فيما يتصل بواجب الأهم والأولى بالتنفيذ من الأمور الملحَّة.
فكرت في أهمية وكيفية التصدي لهذا النوع من الأوضاع والأشخاص والفئات والمهام والممارسات، ومواجهة زيفٍ وتزييفٍ وضلال وتضليل.. يجتاحنا من الداخل ومن الخارج، وفي أن يكون هناك ثبات على مبادئ ومواقف عقلانية وأخلاقية، تحاكم وتمحِّص وتناقش، وتتخذ المواقف المنصفة البناءة، وفي أن تكون هناك مبادرة ومسؤولية توصلنا إلى بداية طريق البناء السليم..
وفي أمر من يحولون الناس إلى دريئات لألسنة لا تحكمها عقول ولا ضمائر، تتناول حياتهم وأفعالهم وإنجازاهم وخصوصياتهم.. ألسنة تُشيع ما تشاء، وتشوه من تشاء، وتصنع وجوهًا وسيرًا وإنجازات لمن تشاء كما تشاء.. فيصنَّف على أساس من ذلك أشخاص، وتقيم أفعال ومواقف، ويحكَم على سلوك، من دون أن يُحتكم في ذلك إلى معيار من أي نوع، أو يتَّبع منهج معتبر، من أي نوع.. وتنشرها تلك “الأحكام، والصور.. “قوة “التبشير” اللفظي، لفئات غدت مساحات قول متدحرج وعنف متدرج، من دون وعي ولا محاكمة ولا ضمير، تفعل ما تفعل من دون مراعاة لأي ظل من ظلال الحقيقة والمنطق والمسؤولية بأبعادها وأنواعها، ولو كان ذلك بعيدًا.
في أيام وقْفَات شهر رمضان الكريم، وجدتني أقف، عند عتبة العيد، ويوم القدس، والمعارك المستمرة، وسيل الدم المتدفق، والتفجيرات هنا وهناك، والقتلى والجرحى بالمئات، وموجات النزوح التهجر المستمرة.. أكثر من عاجز، يغرق في خضم البؤس والجنون الذي يفترس الأنفس والشرائح الكثيرة من أبناء الأمة، أفكر في أمر من يريدنا كما يشاء، ومن يعجبه أن تكون أعنّتنا بأيدي سوانا، ونُذبح فتسيل روح الأمة ذاتها بسيلان دمنا، إذ كل أمة أبناؤها.. ووجدتني حيال من لا يهمه أن نقوم بمعالجات صحيحة، سليمة، بنّاءة، منقذة، وشاملة.. تقوم على الاستقلالية، والحكمة، والعقلانية، والمساواة، والحرية.. وعلى المشاركة الشعبية الشاملة والفعلية.. على أرضية حقيقية من المساوة والانتماء والكرامة والمسؤولية الوطنية والقومية والأخلاقية والإنسانية.. وعلى المصلحة العربية ـ الإسلامية العليا، حيث نُستَهْدَف أيضًا بسبب انتمائنا للأمتين.. فنحلّ مشاكلنا بأنفسنا، ونقلَع شوكنا بأيدينا، ونصل إلى مخارج خاصة بنا، من صراعاتنا الدامية، وأزماتنا المزمنة، ومشكلاتنا الخاصة والعامة.
وفكرت في أنه من حقنا أن يكون لنا يوم أمن وسلام وحرية وحكمة وفرح.. نعم يوم فرح!! ورأيت أن هذا مما يهم كثيرين غيري، فأردت أن أشركهم فيه، فقلت ما قلت.. فهل تراني ألقيت عبئًا على من لا يريد حمله، وأقحمت نفسي وغيري فيما لا يقبله غيري، ولا يجوز لي الخوض فيه؟.. ربما .. وربما كان هذا مدخلي لفرح قادم، في عيد قادم.. قادم.. وكل عام وأنتم بخير.

إلى الأعلى