الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : عيد سعيد وكل عام وأنتم بخير

رأي الوطن : عيد سعيد وكل عام وأنتم بخير

تجتمع هذه الأيام لمعشر المسلمين فرحتان، فرحة إكمالهم صيام شهر رمضان، وفرحة بلوغهم يوم الجائزة ألا وهو عيد الفطر السعيد، بعد أن منَّ الله عليهم بالحياة، وأمد في عمرهم ليصوموا الشهر بأكمله ويغتنموا فضائله التي أعدها الله في هذا الشهر الفضيل من بركة الصلاة والصيام والقيام وتلاوة القرآن والدعاء والخضوع والخشوع، مستلهمين في ذلك النهج النبوي وسيرة السلف الصالح وذلك من أجل الفوز بالجوائز التي أعدها الله للصائمين جزاءً وثوابًا على انقيادهم وطاعتهم لخالقهم، تاركين لذة الشراب والطعام ولذة النوم، ومن بين هذه الجوائز الشفاعة يوم القيامة، والجائزة الأخرى تفضل المولى سبحانه وتعالى على الصائمين بأعظم نعمة وأجلها وهي المغفرة والعتق من النيران والفوز بالجنان. وبالنظر إلى هذه الجوائز العظيمة التي أعدها الله لعباده الصائمين، وكذلك اختصاص الله نفسه بفريضة الصوم كما جاء في الحديث القدسي: “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به”، فإن مرجع ذلك كون أن الصوم عبادة سرية وليس في مقدور أحد أن يطلع عليها سواه سبحانه وتعالى عالم السر والعلن وما تخفي الصدور، فحقيقة الصائم بينة ظاهرة لدى المولى عز وجل وعلى ضوئها يجازي ويجزل العطاء.
لقد كان رمضان فرصة للصائمين الذين أخلصوا صومهم لله لإشباع الجانب الروحي لديهم وإعمار قلوبهم بالذكر والاطمئنان، ومع هذه السانحة يسمو المسلم بروحه من خلال المداومة على العبادة والأذكار وتلاوة القرآن، ويعمر قلبه بالإيمان والإيثار وحب الخير للآخرين، فيبتعد عن مظاهر الحسد والحقد والنميمة والغيبة والكره والبغض والأنانية وغيرها من خوارم المروءة التي يبتعد عنها. أما بالنسبة للجسد فيتخلص من مظاهر الجشع والطمع والشح والبخل والنهم وعدم الشبع والنوم وغيرها من الصفات الخاصة والمتعلقة بالجانب المادي، فتجده يسارع إلى البذل والعطاء والصدقات وإخراج الزكوات؛ أي أن الصائم يصل إلى النتيجة التي أرادها الله وهي التقوى.
وحين يصل المسلم الصائم الحق إلى ذلك، فإن هذه المشاعر تكتمل وتنسجم مع فرحة عيد الفطر السعيد يوم الجائزة، فهو يوم عظيم وعيد مبارك، وهو يوم توج الله به شهر الصيام، فيه يفرح أولئك الذين بذلوا أنفسهم مجتهدين وصلوا نهارهم بليلهم عبادة وتلاوة ودعاء واستغفارًا، وفيه أيضًا من خابوا وخسروا ولم يحصدوا من صيامهم إلا الجوع والعطش والتعب. واكتمال الفرحة تبدو مظاهره من خلال البُعد الإنساني في إدراك وفهم مرامي الأعياد وأهداف تشريعها بتحفيز وتشجيع المسلم على التمسك بالقيم والمُثل الإسلامية، والإحساس بمشاعر الآخر والتفاعل معها، ومشاركته لتلك المشاعر المعبرة عن صدق الأخوة والود والنبل في التعامل المعبرة عن المعاني الإنسانية الصادقة التي ينبغي أن تأخذ في يوم العيد أشكالًا وصورًا متعددة باعتباره يوم فرحة وغبطة وسرور يشترك فيها الجميع دونما استثناء، ففي هذا اليوم يسعد الصائمون بين ذويهم يتبادلون التهاني والتبريكات بأن وفقهم الله لصيام شهر رمضان المبارك وقيامه، حيث تسود تلك المظاهر الأسرية وصلة القربى والتراحم، ومظاهر المحبة والألفة والتكاتف والتراحم، وذهاب مظاهر الشحناء والخصومات وغيرها، والشعور بآلام الآخرين وأحزانهم والسعي إلى التخفيف عنهم. ويبرز ذلك التكافل الاجتماعي من خلال حرص الصائم على إخراج زكاة فطره وردها على من يستحقها من الفقراء والمساكين، ومن خلال مظاهر البهجة والعيدية المتمثلة في إسعاد الأطفال وإدخال الحبور والسرور في أنفسهم.
والخطبة التي ألقاها فضيلة الشيخ الدكتور إسحاق بن أحمد البوسعيدي رئيس المحكمة العليا ونائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء بمسجد الخور بمسقط، لامست تلك الحقائق الآنفة بل وأكدت عليها وعلى أهمية أن تسود مظاهر الخير والتآلف والتراحم والبشر والسرور، وأن تتواصل في كل وقت وحين، وعدم تضييع ما جناه الصائم من ثواب وأجر وخير وسعادة وصلاح وتقوى ورحمة وألفة ومحبة. إلا أن الخطبة لم تغفل جانبًا مهمًّا جدًّا وهو أن فرحتي الصيام والفطر وما ينتج عنهما من مظاهر إنسانية، وما يسود بين الناس من مشاعر نبيلة ومثل ومبادئ وقيم لا تستقيم ولا تؤتي ثمارها إلا في ظلال الأوطان الوارفة بالأمن والأمان والاستقرار. فنعمة الأمن في الأوطان ـ كما أكدت الخطبة ـ من أعظم نعم الله على الإنسان، حرص عليها البررة المخلصون، ودعا بها الأنبياء والمرسلون.
وفي الختام وبحق هذه الأيام المباركة نسأل الله جل في علاه أن يعيد هذه المناسبة وأمثالها على قائد مسيرة نهضتنا المباركة وتاج عزنا ورمز فخرنا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة ويكلأه بعين رعايته وعنايته ويمنَّ عليه بالصحة والعافية والسؤدد، وأن يديم نعمة الأمن والاستقرار لبلادنا وسائر بلاد المسلمين، إنه سميع مجيب.

إلى الأعلى