الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إرهاب داعش اللامحتمل! وظاهرة “فالج لا تعالج”

إرهاب داعش اللامحتمل! وظاهرة “فالج لا تعالج”

د. فايز رشيد

بالفعل, إذا أردت أن تفهم مزاج الناس في مجتمعات معينة, فانظر إلى المتطرفين فيها! فهم يتحلون بالجرأة والصراحة أكثر من غيرهم من الجماهير الصامتة في التعبير عن الرأي العام للمجموع. في السؤال: لماذا يستطيع “داعش” استقطاب هذا الكم من الشباب؟ يمكن القول: إن هناك بيئة مساعدة لنمو أفكار التطرف في المجتمعات التي ينشأ أعضاؤه فيها! وإلا لما استقطب “داعش” كل هذا الكم من البشر!

يثبت “داعش” يوميًّا أنه القادر على إدارة أزمات المنطقة, بكل أسف! مع أن الجميع يعلن الحرب عليه! فتفجيرات بغداد وجدة واسطنبول وبروكسل وباريس.. وغيرها الكثير, تشي إلى أن جهات كثيرة لا تريد الخلاص من “داعش”. وإلا لو جرى توجيه الضربات حقيقة إليه, بمثل ما يعلن عنها, لانتهى تنظيم “داعش” منذ فترة ليست قصيرة. يتميز تنظيم “داعش” الإرهابي عن غيره من تنظيمات الإرهاب بـ: عنفه المفرط الذي تجاوز مرحلة البشاعة ويفوق كل تصور. ميزانيته المالية الضخمة. قدرته على استقطاب الكثيرين من الأعضاء والأصدقاء. سيطرته على بقعة جغرافية كبيرة رغم كل خسائره. قدرته على إعادة استيعاد ما فقده من بعض المناطق. امتلاكه لكل ما يضمن إيصال رسائله إلى العالم من خلال الإعلام استخدامه لكل وسائل التقدم الاتصالاتي والتكنولوجيا الحديثة بمهنية عالية. تلقيه الدعم المالي والتسليحي من جهات عديدة وكثيرة. امتلاكه حقول نفط.. وقضايا أخرى غيرها.
أن ترى مناظر تداعيات تفجير الكرّادة, يعني أن يدمع قلبك وضميرك وإنسانيتك لهول البشاعة زمنا طويلا. إجرام إرهابي تجاوز كل الحدود! أتى التفجير وسط غليان شعبي بعيد تمامًا عن المسألة الطائفية. وكما وفي إدلب بسوريا؛ اقتحمت “جبهة النصرة” مقر “جيش التحرير” الذي ينتمي إلى ما يسمى بـ”الجيش الحرّ”، واعتقلت قائده وعشرات الأفراد. أمّا في درعا، فالاشتباكات والخلافات الحادّة بين تنظيم “داعش” والفصائل المسلّحة الأخرى أدت إلى قتل العشرات، بالتوازي مع خلافات تتحول إلى مواجهات في أحيان بين فصائل من الجيش الحرّ وأهال في بعض المناطق في ريف درعا. ما سبق هو نموذج لأخبار اليومين الماضيين فقط. صحيح أنّ المسألة الطائفية هي العنوان البارز اليوم لما يحدث في المنطقة، وهي الشبح الذي يهدد السلم الأهلي والاجتماعي ويضع مستقبل المنطقة على شفا الهاوية. لكن من قال إنّ مشكلتنا هي فقط في الطائفية! فهناك اليوم حروب سياسية مشتعلة في الأوساط االشعبية، وخلافات عميقة، وحالة من التذمر والتململ الكبيرة في أوساط الشعوب وبخاصة العراقي ضد القوى السياسية الحاكمة. تدمير السلم الأهلي قائم سوريا واليمن وليبيا، استجابة للخلافات بين أجندات بعض الدول العربية نفسها وبعض الدول الإقليمية والعالمية.
بالنسبة لحادثة الكرادة, لا ينم ما يجري عن قوة هذا التنظيم الأصولي المتطرف, بالقدر الذي ينم فيه عن ضعف الطرف المقابل. المقصود هنا: الجيش العراقي الذي بنته أميركا، وهي السبب الرئيسي والأساسي في إيصال بلد عريق ممتدة جذوره في أعماق التاريخ, بلد الحضارة والكفاءات الكثيرة, بلد الثروات ومن أهمها النفط, إلى هذا الوضع, بعد أن كان واحدا من أقوى الجيوش العربية, وهذا ما لا يلائم لا الولايات المتحدة ولا حليفها الصهيوني. ألم يعد بوش بإعادة العراق إلى العصر الحجري؟ فبركوا قضية امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل, كوسيلة لتدميره! ألم يعترف بوش وتوني بلير بأنها (خُدعا ـ هما كذّابان لأنهما كانا يعرفان الحقيقة) من مخابرتيهما؟ ألم يعترف كولن باول بفبركة صور لإثبات أن في العراق أسلحة دمار شامل؟ بعد تدمير العراق قال القذافي في أحد مؤتمرات القمة العربية “الدور قادم علينا وعلى دولنا”. وها هو أوباما يعترف بخطأ إدارته في قصف ليبيا. “نعيما”! هم دمروا ويدمرون الدول العربية لتفتيتها إلى دويلات, وهذا مشروع الصهيوني برنارد لويس, تقدم به إلى مجلس الشيوخ الأميركي ووافق عليه في عام 1987, ولم يتم التركيز إعلاميا على عملية التصويت بالطبع.
الأهم القول: إن البعض العربي لا يستفيد من دروس التاريخ! مولوا الملايين لإنشاء القاعدة لمحاربة ما أسموه التدخل السوفياتي في أفغانستان! مع العلم, أن التدخل جاء بطلب من القيادة الأفغانية آنذاك. القاعدة ارتدّت على كل من موّلها, وفرّخت تنظيمات إرهابية في العديد من الدول العربية والإقليمية والعالمية, وبدأت في ممارسة إرهابها! التاريخ كرر ويكرر نفسه, ولكن بأكثر مهزلة ومسخرة هذه المرّة, تحت دعوى إزالة الأسد من الحكم! وابتدأوا الترويج بأن الخطر الشيعي الإيراني أشد من الخطر الصهيوني اليهودي! بالله عليكم أيمكن اعتبار هؤلاء ممن يمتلكون عقولا؟ أقسم أنهم لا يتمتعون بذرة عقل واحدة! لأن “داعش” و”النصرة” وغيرهما مما يسمون بالمعارضة يعالجون جرحاهم في مستشفيات بني صهيون, ويرسلون مندوبيهم لحضور مؤتمرات العدو الصهيوني, التي تخطط لذبحنا. أفتى حاخاماتهم بالأمس بجواز تسميم مياه شرب الفلسطينيين, واليوم يفتي حاخامهم الأكبر بجواز قتل الفلسطينيين حتى من هم في الأرحام ـ تصوروا! ذلك تطبيقا للفريضة الدينية! أتساءل: من أي عجينة شيطانية جُبل هؤلاء؟ في النهاية “داعش” والكيان وجهان لعملة واحدة.
بالفعل, إذا أردت أن تفهم مزاج الناس في مجتمعات معينة, فانظر إلى المتطرفين فيها! فهم يتحلون بالجرأة والصراحة أكثر من غيرهم من الجماهير الصامتة في التعبير عن الرأي العام للمجموع. في السؤال: لماذا يستطيع “داعش” استقطاب هذا الكم من الشباب؟ يمكن القول: إن هناك بيئة مساعدة لنمو أفكار التطرف في المجتمعات التي ينشأ أعضاؤه فيها! وإلا لما استقطب “داعش” كل هذا الكم من البشر!
صحيح أن طرق القتل التي يطبقها “داعش” مقرفة ومقززة, ويندى لها الجبين الإنساني, لكن الكيان يطبق نفس القتل بأساليب مختلفة ولكن بشكل أكبر, بل تفوق على “داعش” في حجم قتله .. إسرائيل تقتل الأطفال الذين لم يبلغوا بضعة أشهر من خلال تدمير البيوت على رؤوس أصحابها, بينما “داعش” لا يقتل أطفالا (أنا لا أدافع عنه بالطبع). “داعش” يهجّر السكان, وهذا ما يقترفه الكيان بحق الفلسطينيين.
“داعش” مستمر في تخريب وتدمير النسيج الشعبي فيما يحتله من مناطق, من خلال: إثارة الصراعات المذهبية والطائفية والإثنية فيها, في الوقت الذي عاشت فيه المجتمعات العربية قرونا طويلة من الوئام الطائفي والسلام بين المذاهب والطوائف والأديان والإثنيات. لا فرق بين مسلم ومسيحي وبين سني وشيعي وبين عربي وآخر من قومية ثانية, الكل سواسية في دولتهم, فالدين لله والوطن للجميع, فالأقرب والأكرم لله جل شأنه “أتقاكم”. إن أحد أخطر المخططات التي ينفذها “داعش” وأخواته من التنظيمات الأصولية المتطرفة هو, تدمير التعايش في الدول العربية… وهو نفس الهدف الصهيوني منذ إنشاء الكيان حتى اللحظة.
تبقى الحقيقة: أن من لا يتعلم من دروس التاريخ ولا من تجاربه الخاصة, يكون كمن أصيب بجلطة دماغية قوية (دمّرت معظم الخلايا الدماغية, التي لا تتجدد في رأسه), حيث يكون الشفاء منها مستحيلا, وتحسين حالة المصاب عصية. وفي هذه الحالة يطلقون على المرض كلمة “فالج”. لذا جاء المثل الدارج في فلسطين, والمثبّت في العنوان.

إلى الأعلى