السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / عيد الفطر وتجليات الوئام الإنساني

عيد الفطر وتجليات الوئام الإنساني

يهلّ علينا عيد الفطر السعيد، بما يحمله من بهجة وسرور وسلام ووئام، وأن المتتبع لمواسم الإسلام العظيمة وأعياده المجيدة، يجد بأنها تدور في فلك تعميق الوئام الانساني والتعارف المؤكد لمبدأ الحوار والتفاعل الايجابي والتكاتف بين أبناء الأمة، وبالتالي اكتشاف أسرار هذه الشعائر والأعياد وما فيها من خير لبني الإنسان وأمنه وسعادته، فإن في عيد الفطر المبارك والممارسات التي وجهت إليها الشريعة في استقبال المسلمين ليوم العيد، يؤصل لمسلك الود والحب والرحمة والعطف والحنان، وينشر قيم الأمن والأمان والسلام والتسامح بين أبناء الأمة في تصالحهم وتكاتفهم وتعاونهم كالجسد الواحد ، يشّد بعضهم بعضا.إن العيد بذلك منهج حضاري راق في ترسيخ المبادئ وتعميق قيمة العطاء بلا حدود والانجاز بلا توقف، إنه عودة الحياة بصبغة جديدة، وقراءة السلوك بروح متجددة تنهل من معين الصفاء والوفاء والاحسان والتكريم ، وتنال في طلب مبتغاها من الأجر والثواب، علو الهمم وسمو الأهداف ورقي الأذواق، فلبس الجديد والتطيب والوضوء والتكبير والاتجاه إلى مصلى العيد للصلاة وخطبة العيد والمصافحة والسلام والتهنئة والزيارة وتبادل الحديث بمشاعر أكثر تفاؤلا وأعمق إصرارا على تجاوز الخلافات، والتسامي فوق كل ما يعكر صفو العلاقات بحس إيماني أخوي صادق، يرسم على وجود الكبار والصغار، المرضى والأصحاء الابتسامة ويختصر لهم الحياة في ثوب جديد ولبس ملؤه الأمل والسعادة، مفردات تحمل مشاعر الود والرحمة وتغرس في النفوس الراقية عذوبة الكلمات المتبادلة، وصفو النفوس المتعانقة، وسماحة المزاج وضياء القلب، وروح المرح والبهجة والسرور، ويهمس في القلب مشاعر تفيض حبا وصدقا شكرا لله على إتمام الصيام، وفضلا منه على ما وهبه من فضل تآلف القلوب وتصافي النفوس.
إن في مفردات عيد الفطر وأحكامه ومبادئه وتشريعاته، دعوة إلى تعميق أساسيات الحوار وتأصيل قيمة الأخوة، وتعزيز سلوك التكامل ونمو أرضياته، وتعميق مبدأ التوازن فيه، بما يتسم به من استدامة، فلا تشوبه شائبة الانقطاع أو يتعرض لأزمات النقص، بل يرقى بالفكر الإنساني إلى مزيد من العطاء الممدود بحبل الله، والتنافس في مرضاة الله والفوز بجنته، وهو بذلك يحمل هدف التفكير الراقي في معنى الاخوة التي تتجانب ومفهوم المصالح الشخصية الزائلة ، فتؤدي الأعياد مناخات الألفة والمحبة والعطف والحنان والشفقة والتآلف والاحساس،التي تبني في النفس شعورا ذاتيا بنعم الله عليه، وكيف للمسلم أن يترجمها إلى حب إخوته وجيرانه، وسعيه نحو مصالحهم ليجد ما يتمناه ويرغب فيه مظهرا فيهم، فتزداد بينهم الحميمية، في رقي هدف، وعمق مشاعر، وكريم خلق، ونبض قلب، وطيب لسان، وذوق طباع ، فيسلك منهج الاحترام والتقدير لمجتمعه ومؤسسات دولته ووطنه بما قدمه له، فيستشعر نعمة الأمن التي يعيشها في وطنه فيحافظ عليها، ويسعى لصناعتها في حياته ممارسة واعية وفكرا هادفا، واخلاقيات تتجلي في لغة الخطاب وسلوك النقد، فيترفع بها فوق كل الممارسات التي تسئ إلى نفسه ومجتمعه ووطنه، فيصنع في ذاته التزاما بمبدأ الشكر والحمد والثناء، لنيل استحقاقات هذا التكريم في زيادة مسارات الود مع أهله ومجتمعه وجميع المسلمين، وتعميق قيم الاخلاص والجدية وتوظيف البدائل التي تتيح له فرص أكبر لزيادة وعيه بمسؤولياته الوطنية وإدراكه لواجباته الإنسانية.
وفي عالم تتجاذبه المصالح الشخصية، وتعاني منه بعض مناطق الأمة ويلات الحروب وآلام التشرد والجوع، والافتقار لأبسط متطلبات الأمن والأمان والسعادة والاستقرار؛ تأتي الأعياد كمدخل للتغيير وإعادة صناعة جديدة لعالم يسوده الوئام ويسمو بالقيم والفضائل ويحقق لدى الانسان معايير العيش الكريم وحقه في الفرح والبهجة والسعادة، فإن على أبناء الأمة أن يجدوا هذه الموجهات طريقا للحمة أمتهم، ولمّ شتاتها وتوحيد كلمتها، وتعزيز مواقفها وقوة رأيها، بما يمكّنها من مواجهة التحديات، وأن تصنع من أعياد الإسلام وشعائره العظيمة السمحة فرصا أكبر للمنافسة، بما تحمله من نهضة المبادئ وقيم التسامي وروح التكامل، وما تمتلكه من مقومات الوحدة. إن أعياد الاسلام نماذج راقية لصناعة إنسانية واعية وشخصية مسلمة متزنة، تتقاسم الأحلام والآمال،وتتبادل الحب، وتتشاطر المسؤولية، فإن ما يولّده عيد الفطر المبارك من تناغم وانسجام ووئام،وتبادل لوشائج القربي والتواصل، قوة للوطن وتعزيزا لتقدمه وتطوره،وترسيخا لأمنه واستقراره، وفرصة ينبغي أن تستثمرها محاضن التربية ومؤسسات التعليم والتنشئة والتثقيف والإعلام والقانون في بناء شخصية أجيال الوطن وتأصيل هوية الإنسان العماني المسلم المنطلقة من مبادئ السلام والتسامح والوئام، حفظ الله مولانا جلالة السلطان المعظم وأمد في عمره، وكل عام والجميع بخير.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى