الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العدالة الانتقالية والمصالحة .. عيوب التجربة العراقية

العدالة الانتقالية والمصالحة .. عيوب التجربة العراقية

عادل سعد

إن ما اختصرنا من إنجازات تاريخية تحققت ضمن أساس العدالة الانتقالية والوصول إلى المصالحة نجده يكفي منطلقا لموضوعنا عن المصالحة في العراق التي ما زالت مع الأسف ضمن خط الشروع، ولم تتخذ لها أية خطوات مؤثرة فعلا في المشهد السياسي العراقي بما يزيل عن هذا البلد نزعة المحاصصة والانقسامات الأفقية والعمودية بين الكتل التي تدير السلطة فيه..

تختزن ذاكرة العالم الكثير من شواهد تدابير العدالة الانتقالية وما أفضت إليه من مصالحات، بعضها نجح نسبيا وبعضها الأخرى طوى كل المآسي والويلات التي مرت بالمزيد من الرؤية القائمة على إنجازات معينة، وتوظيف الأمل مصدرا لثقة عالية في إنهاء صراعات وخصومات ظلت تدمي مجتمعات في قارات أوروبا وآسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وإذا كان لا بد لنا أن نشير إلى ما تحقق فإن الوقفة التاريخية التي تستحق ذلك، ما جرى في محاكمات نورمبرج بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945، حيث كانت خطة الشروع الأساسية في التأسيس للعدالة الانتقالية وإن كان العالم لم يفتقر إلى مصالحات سبقت ذلك، ولكنها لم توثق وأخذت طابعا دينيا في أغلبها، ومن التطورات اللافتة في مفهوم العدالة الانتقالية وبالتالي تحقيق المصالحات ما تم إنجازه ضمن اتفاقية (روما) لسنة 1998 ضمن آليات المحكمة الجنائية الدولية التي جاءت تتويجا وامتدادا لما تحقق من إنجازات للعدالة، وتأسيس مناخات اجتماعية وقانونية لها في الأرجنتين عام 1983، وكذلك في تشيلي 1990، وفي جواتيمالا سنة 1994 ،ثم المصالحة الكبرى التي تولاها في جنوب إفريقيا داعية التسامح نيلسون مانديلا عام 1994وأعطت درسا منقطع النظير في السماحة والشراكة والتأسيس لعقد اجتماعي وأخلاقي وسياسي بين البيض والأفارقة السود، ولا بد من التوقف أيضا عند الذي حصل في بولندا عام 1997 وفي سيراليون عام 1999 وفي تيمور الشرقية سنة 2001، أما التجربة العربية في هذا الشأن وتعد ناجحة نسبيا فهي التي تحققت في المغرب عام 2004.
إن ما اختصرنا من إنجازات تاريخية تحققت ضمن أساس العدالة الانتقالية والوصول إلى المصالحة نجده يكفي منطلقا لموضوعنا عن المصالحة في العراق التي ما زالت مع الأسف ضمن خط الشروع، ولم تتخذ لها أية خطوات مؤثرة فعلا في المشهد السياسي العراقي بما يزيل عن هذا البلد نزعة المحاصصة والانقسامات الأفقية والعمودية بين الكتل التي تدير السلطة فيه، وحجم التحديات التي يتم توريثها يوميا بسبب ذلك، حيث تسود نزعة الغنيمة والاستحواذ والهيمنة بكل ما تمثل من افتقار للقيم الوطنية والعدالة الحقيقية، وهذا بحد ذاته هو ما يقف وراء الإحباط والتلكؤ والشكوك والتأجيل المتعمد وغير المتعمد والقفز في أغلب الأحيان على ما أنجز رغم قلته.
من الأمانة هنا أن نشير إلى أن الأدوات التي استخدمت في تكريس نزعات الثأر والانتقام والتصادمات لم تكن ضمن إطار الوعي الجمعي للشعب العراقي، وإنما هي في سياق الانفلات السياسي.
إن عيوب العدالة الانتقالية والمصالحة تعود لعدد من الأسباب:
أولا: التباين الحاد في طروحات الكتل السياسية بشأن مفهوم العدالة الانتقالية وتحقيق المصالحة.
ثانيا: هناك من يرى من الكتل السياسية بأن غلق ملفات العدالة الانتقالية مخالف للضرورة الدائمة، في حين أن ذلك يمثل سيفا مسلطا يمكن استخدامه على وفق مشيئة بعض الكتل، وبالتالي يكون مجالا للابتزاز.
ثالثا: التصرف بمفهوم العدالة الانتقالية على وفق مشيئات ربما تتصل بأصابع إقليمية، في حين أن التوجه يحتاج إلى شراكة حقيقية من العمل العادل المسؤول الذي من شأنه أن يرضي عوائل الضحايا ويعزز البنية الوطنية.
رابعا: هناك فرق جوهري بين تحقيق القصاص العادل والمنصف وبين نزعات الثأروالانتقام والتشفي، فأي توجه يصب لصالح تلك النزعات لا يمكن أن يطفئ نار الانتقام بل يشعلها أكثر.
خامسا: تم الاستحواذ على العديد من العقارات والممتلكات التي كان يشغلها موظفو أركان النظام السابق في العاصمة بغداد ومدن أخرى بذريعة العدالة لصالح مكونات سياسية طائفية ومناطقية، كما امتدت نزعة السيطرة على منتجعات وبيوت في بغداد ومدن عراقية أخرى، وكذلك عقارات ريفية ومزارع تعود لشخصيات في النظام السابق، في حين أن منطق العدالة يتطلب أن تعود تلك الممتلكات إلى الدولة ليتم التصرف بها بوصفها أموالا وممتلكات عامة، وأن تعاد العقارات التي كانت من ممتلكات السياسيين السابقين الخاصة إلى أسرهم لأنها أملاك شخصية.
سادسا: لقد تعاملت المكونات السياسية الكبيرة المهيمنة على السلطة في البلاد مع منطق المصالحة والوفاق من منظور مصلحي ضيق، وحسب توقيتات تراها مناسبة لاستمرار هيمنتها وسلطتها.
إن العيوب التي أشرنا إليها وما يضاف إليها من مناكفات سياسية وأمنية وتناقضات بين حكومة إقليم كردستان العراق والحكومة الاتحادية في بغداد، وما يتبع ذلك من تهديدات بالانفصال تطلقها أربيل بين الحين والآخر، أقول إن هذه العيوب والتهديدات وما يتأسس عليها من طقوس سياسية مضطربة قد أدى حتى الآن بالمصالحة أن تبقى ضمن المربع الأول ولم تغادره إلا بخطوة أو خطوتين ثم العودة مجددا إلى خلط الأوراق، ولذلك لا يمكن أن تجد المصالحة الوطنية في العراق فرصتها السانحة إلا بإعادة هيكلة الأفكار وآليات العمل على أسس تضع بالاعتبار إعادة الثقة إلى المفهوم الوطني الأمين على كل حقوق العراقيين بدون استثناء وليس في إطار انتقائيات عمل، إنها المسؤولية الكبيرة التي تحتاج إلى المزيد من الدراية الأخلاقية العالية.

إلى الأعلى