الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إسرائيل من الداخل : مكونات السطوة

إسرائيل من الداخل : مكونات السطوة

علي بدوان

إن ما يؤكد ما ذهبنا إليه أعلاه، أن غياب العدالة الاجتماعية في “إسرائيل” ليس وليد اليوم ولا تحدده ارتفاع أسعار السلع والمساكن وما إليها فقط دون غيرها, بل هذا الغياب قائم منذ إقامة الدولة “الإسرائيلية” واحتلال فلسطين. والفلسطينيون أصحاب الوطن الأصليون الذين بقوا على أرض وطنهم عام 1948 كانوا وما زالوا هم أكثر المتضررين من سياسة التمييز العنصري التي تطول كل أشكال الحياة والوجود.

تُدرك الشرائح الطبقية الوسطى في “إسرائيل” والتي تُشكّل قطاعًا هامًّا داخلها، بأن المكونات الرئيسية لهيكلية وحضور وسطوة الجهات المتنفذة في “إسرائيل” مكوّنة من ثلاثة أطراف، أولها الأجهزة الأمنية بأذرعها المُختلفة ومعها “الجيش الإسرائيلي” وهي الأجهزة المتحالفة مع السياسيين، فالجيش هو المنبت والمنبع الرئيسي لمعظم القيادات وأصحاب القرار في “إسرائيل” وعموم الأحزاب فيها خصوصًا الأحزاب الكبرى، كما أن الجيش وأجهزة الأمن وأذرعه المختلفة تستنفذ أكثر من (25%) من الميزانية المالية السنوية، فضلًا عن ابتلاعها كامل المساعدات الخارجية الأميركية التي تذهب للجيش الصهيوني ولأجهزة الأمن وحدها دون غيرها.
وثانيها أصحاب رؤوس الأموال، الذين لا وطن لهم سوى وطن الاستثمارات والتشغيل، وإقامة الإمبراطوريات المالية بالتحالف مع الكارتلات العالمية في الولايات المتحدة والغرب وبعض الدول النامية في القارة الأميركية الوسطى والجنوبية وقارة إفريقيا. وقد تحالف أصحاب رؤوس الأموال مع النخب الحزبية في الأحزاب الكبرى وباتوا ممولين لتلك الأحزاب في كل دورة انتخابية مقابل الحصول على أثمان لها علاقة بالتسهيلات المقدمة لهم بعد حين، وقد أفضت سياسات الحكومات “الإسرائيلية” المتعاقبة خلال العقدين الأخيرين ومن خلال تحالفاتها مع أصحاب رؤوس الأموال إلى حدوث شبه انهيار لشرائح الطبقة الوسطى التي كانت تُشكّل (75%) من المبنى الاجتماعي “الإسرائيلي”، علاوة على سحق الشرائح والطبقات الدنيا لهذا المبنى، ناهيك عن تفشي الفساد بكافة أشكاله، ولجوء قادة الأحزاب الكبرى إلى سياسة الرشوة والمحاصصة الحزبية في توزيع موازنات الوزارات، لضمان بقاء الائتلاف الحكومي لكل حكومة.
وثالثها مجموعات الأكليروس من اليهود المتدينين، والمتطرفين منهم على وجه الخصوص، الذين يستنزفون الموارد المالية العامة كما تستنزفها معهم المستوطنات المقامة فوق الأرض المحتلة عام 1967، فالمستوطنات في الأراضي المحتلة استهلكت حتى الآن أكثر من مائة مليار دولار كما تُشير “المعطيات الرسمية الإسرائيلية ذاتها”، وهو ماحدى بالعشرات من النخب في “إسرائيل” لتوجيه السؤال التالي: “لماذا يخصص رئيس الحكومة مبالغ طائلة من الميزانية لبناء مستوطنات جديدة، وتوسيع القديم منها، بينما هي خربة، لا سكان فيها، ولا يوجد عوامل جذب حقيقية إليها، وقد أصبحت تقتطع مساحاتٍ كبيرة من الأراضي، وتكلف ميزانية الدولة مبالغ خيالية لجهة البناء والإعمار والحماية والحراسة، إذ إن كلفة الاستيطان ليست فقط كلفة بناءٍ وإعمار، بل إن التبعات الأمنية والسياسية التي تفرضها المستوطنات تكون كلفتها المادية كبيرة، وهي كلفة دائمة ومتزايدة”.
الجهات الثلاث تنهب بالنهاية ميزانية “إسرائيل” السنوية، وتضع الشرائح والطبقة الوسطى والشباب في حالة مادية سيئة، إذ تُشير المعطيات “الإسرائيلية” المنشورة على صفحات الصحف “الإسرائيلية” أن أكثر من (60%) من الشباب لا يكفيهم معاشهم حسب الإحصائيات “الإسرائيلية” ذاتها.
إن تآكل قدرة الشرائح الطبقية الوسطى في المجتمع “الإسرائيلي” بات أمرًا ملحوظًا، مع تزايد الأعباء المالية للحياة نظرًا لارتفاع تكاليف المعيشة بصورة حادة في مختلف متطلبات الحياة الأساسية والضرورية المتعلقة بالمسكن والمأكل والملبس والمشرب والمواصلات والاتصالات والكهرباء والبنزين والسيارات والمواد الاستهلاكية الأخرى الضرورية، وقد أصابت تلك التطورات الاقتصادية والاجتماعية المتردية القطاعات والشرائح الطبقية الوسطى في المجتمع إصابة مباشرة.
ويمكن القول بأن اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء في المجتمع “الإسرائيلي” على أرض فلسطين المحتلة عام 1948، وتأكل الشرائح الطبقية الوسطى، ووجود مُتسع كبير من الفوارق الاجتماعية بين الناس فيها، إضافة لوجود هوة متزايدة يومًا بعد يومًا بين المجموعات الإثنية المُشكّلة للدولة “الإسرائيلية”، وتحديدًا بين اليهود من مختلف القوميات التي انحدروا منها أساسًا كانت وما زالت عوامل أساسية بعيدة تدفع نحو نشوء هبات إحتجاجية قادمة ستصل في لحظة ما إلى درجة الذروة.
إن سيل التناقضات الكامنة داخل قاع هذا الكيان العبري الصهيوني، يدفع رويدًا رويدًا باتجاه التخلي عن دولة الرفاه واتباع نهج الاقتصاد الحر والخصخصة وتقليص الإنفاق على الخدمات العامة كالتعليم والصحة، وهو ما أضرَّ بشكل كبير بقطاعات الشباب والشرائح الطبقية الوسطى التي بدت حياتها الاجتماعية والاقتصادية تتأرجح كل يوم منذ سنوات خلت. وعلينا هنا أن نلاحظ بأن الميل يزداد نحو قطاعات الشباب للخروج من “إسرائيل” والتوجه نحو الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها من البلدان من أجل السعي لتأمين مستقبل اقتصادي وحياة أفضل، وهي ظاهرة يُقدّر لها أن تتسع خلال السنوات القلية القادمة.
من هنا، إن حدة التناقضات داخل “إسرائيل” لا تقف عند حدود التناقضات بين مجاميع اليهود وفق أصولهم القومية والإثنية فقط، بل تتعدى ذلك نحو الولادة المتتالية للفوارق في نمط الحياة مع اتساع الفوارق الطبقية الاقتصادية والاجتماعية بين مجاميع اليهود ذاتهم، فالبون شاسع في الجوانب تلك على سبيل المثال بين اليهود الشرقيين (السفارديم) وبين اليهود الغربيين (الإشكناز)، وبين يهود “إسرائيل” من ذوي الأصول الأوروبية الغربية (اليهود الأمراء) وبين يهود إثيوبيا (الفلاشمورا) على سبيل المثال الذين باتوا يمثلون (حثالة البروليتاريا) وفق الأدبيات الماركسية والاشتراكية العمالية التي تنتمي إليها العديد من أحزاب “إسرائيل” خصوصًا حزب العمل “الإسرائيلي” الحزب المؤسس لدولة “إسرائيل”، وكتلة ميرتس التي تدعي بأنها تمثل تيار “اليسار الصهيوني”.
إن ما يؤكد ما ذهبنا إليه أعلاه، أن غياب العدالة الاجتماعية في “إسرائيل” ليس وليد اليوم ولا تحدده ارتفاع أسعار السلع والمساكن وما إليها فقط دون غيرها, بل هذا الغياب قائم منذ إقامة الدولة “الإسرائيلية” واحتلال فلسطين. والفلسطينيون أصحاب الوطن الأصليون الذين بقوا على أرض وطنهم عام 1948 كانوا وما زالوا هم أكثر المتضررين من سياسة التمييز العنصري التي تطول كل أشكال الحياة والوجود.
وبالمحصلة: إن التناقضات الخافية في بنية وتركيب “إسرائيل” وقاعها الاجتماعي وحتى في بنيتها الفوقية، هائلة، ومُقدّر لها أن تتسع كل يوم، مضافًا إليها الأسئلة الصعبة التي باتت تقض مضاجع “النخب الإسرائيلية” والمتعلقة بانسداد أفق التسوية في ظل الخطاب “السياسي الإسرائيلي” المشبع بلغة القوة والغطرسة والفاشية.

إلى الأعلى