الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / محمد قراطاس: هذا الوطن ملوّن بجميع الألوان الثقافية .. والكتابة لا تنمو إلا بالنقد الصادق
محمد قراطاس: هذا الوطن ملوّن بجميع الألوان الثقافية .. والكتابة لا تنمو إلا بالنقد الصادق

محمد قراطاس: هذا الوطن ملوّن بجميع الألوان الثقافية .. والكتابة لا تنمو إلا بالنقد الصادق

يقرّ أن هناك مؤثرات على المبدع تشكّل طريقته وفكرته وقلمه
مسقط ـ العمانية:
تنطوي تجربة الشاعر محمد قراطاس على خصوصية ترتبط بالمكان الذي ينتمي إليه، ظفار، إذ يقرّ في حوار أجرته معه وكالة الأنباء العمانية، أن هناك مؤثرات على المبدع تشكّل طريقته وفكرته وقلمه، مؤكداً أن لعُمان تأثيراً كبيراً في كتاباته: “هذا الوطن ملوّن بجميع الألوان الثقافية، اللغوية والتاريخية، والتي لها تأثير عميق جداً على قلمي وعلى خلفية وقاعدة أيّ نص أكتبه”.
وبالإضافة إلى انعكاس التنوع الثقافي والجغرافي في عُمان على تجربة قراطاس ، ثمة تأثير خاص منبعه ظفار التي تتسم بتنوع لغوي وبيئي وتاريخي. وهو يقول في ذلك: “أيّ إبداع هو ذو خصوصية، وهذا ما يجعله إبداعاً ضمن النطاق الإنساني”، ويضيف: “إلى جانب لغتي العربية، أنا أتحدث باللسان الشحري والمهري، وقد تأثرت بآداب هاتين اللغتين خلال نشأتي، وهو ما أضفى على كتاباتي شيئاً من الفسيفساء الغريبة والجذابة كما يرى أحد النقاد”.
وفي حديثه عن العلاقة بين الهندسة التي درسها والأدب الذي احترفه، وما أضافته هذه العلاقة لتجربته الشعرية، يوضح قراطاس أن عمله في تخصصه أثّر على كتاباته من وجهين متناقضين؛ وهما: الوقت، وطريقة التفكير. فالعمل كما يرى، يجعل وقت الكتابة ضيقاً، لكن طريقة التفكير -وهي طريقة البحث عن الحلول- مؤثرة بشكل إيجابي في الكتابة الإبداعية. بمعنى آخر “هناك حدّان لعمل المبدع كمهندس، وهما في كل الأحوال لا يؤثران بشكل مباشر في طريقة الكتابة أو نوعيتها”.
وحول مدى رضاه عن إصداره الأول “ما ورثه الضوء”، يؤكد قراطاس أنه راضٍ عن هذا الديوان على صعيد المحتوى، وإن كان يرى أن طريقة الإخراج الشكلي ربما كانت تحتاج إلى تعديل. وهو ما تلافاه في ديوانه “تغريبة بحر العرب” الذي يبدو راضياً عنه بشكل كامل.
وعند سؤاله: أين تجد نفسك أكثر، في الشعر أم الرواية؟ يقول قراطاس : “لم أتوقع أن تكون كتابة الرواية بهذا القدر من الإرهاق الفكري والنفسي، فهي نوع من الكتابة الإبداعية المرهقة والمستهلكة جداً لفكر الكاتب ووقته. فعندما تكتب مشهداً فيجب عليك أن تكون ملمّاً بالزمان والمكان والأحداث التي تدور حول المشهد، مما يخلق للكاتب عشرات المهمّات من القراءة إلى التقدير لخروج المشهد، إضافة إلى اختزال الإبداع الشعري والسيميائي والصوتي في النص”، ويضيف: “الآن أصبحت أدرك مدى الإرهاق الذي يصيب الروائيين المبدعين عند ابتكار عوالم جديدة، ابتداء من زفرة الهواء إلى مجرّة مكتملة الأركان!”.
أما النص الشعري، فيخرج كما يرى قراطاس ، “وحياً جميلاً متكاملاً لا يرتبط بمكان أو زمان”، لذلك فالشعر بالنسبة له “أسمى حالات الكتابة الإبداعية على الإطلاق، لأنه يخرج من روح الإنسان دون تدخل مكاني أو زماني”.
ورغم أنه يحب كتابة الرواية وشغوف بها، إلّا أنه يؤكد أنه مهما كتب من روايات أو نصوص في أشكال أدبية أخرى، سيظل شاعراً في البداية والنهاية، وولاؤه التامّ هو للشعر!
وحول انطباعه عمّا كُتب من نقد عن تجربته، يقول: “النقد مهم جداً، وهو من المقاييس المهمة التي يعرف فيها الكاتب مسافته من الإبداع، لذلك كان لا بد لأي مجتمع إبداعي قوي أن يكون حوله مجتمع نقدي صادق وقوي. ومن يكره النقد أو يغضب منه فهو خارج التصنيف الإبداعي، لأنه أولاً ليس لديه ثقة بما يكتب، وثانياً لأن الكتابة لا تنمو إلّا بالنقد الصادق سواء كان بانياً أو هادماً!”.وحول مكان الشعر العماني في السياق العربي، يرى قراطاس أن الجغرافيا مهمة، لكن الإنسان يظل إنساناً والمبدع مبدعاً، سواء وُلد في إفريقيا أو في آسيا، فـ “لو افترضنا أن طاغور وُلد في مسقط وكتب شعره هناك، هل سنعدُّه تجربة عربية، أم تجربة إنسانية؟”.
والإبداع بحسب قراطاس ، “لا يقبل التقسيم ولا التصنيف”، فهو فعلٌ إنساني، وربما أن التصنيف والمحسوبية والأحكام المعلّبة هي “سبب وجود الأدب العربي الحديث في ذيل الآداب العالمية من ناحية الانتشار والجوائز والتأثير”.
وحول تنقّله في كتابة الشعر بين العمود والتفعيلة وقصيدة النثر، يؤمن قراطاس أنه ليس هناك “استقرار إبداعي”! فالاستقرار الإبداعي يعني “الموت”. ويوضح: “الإنسان في كل تجاربه الحياتية يمرّ بمراحل انتقالية، والذي لا يمر بمرحلة انتقالية هو إنسان يعيش في المقابر”. ويتحدث عن تجربته بقوله: “أنا حالياً أكتب الشعر بجميع القوالب، ولا أعلم إن كنت سأثبت على قالب معين أم سأستمر هكذا. لكن ما أتوقعه أن يقلّ منتوجي الشعري قليلاً بسبب المحاولات الروائية”.
ويبدو قراطاس مرتاحاً لهذا السيل مما يُكتب ضمن مسمى “قصيدة النثر”، بل ويتمنى أن “يستمر هذا السيل، ويزبد ويفيض ويدخل كل شارع وكل بيت وألّا يتوقف أبداً”؛ لأن “الأزهار لا تنبت أو تنمو إن لم يكن هناك تربة خصبة تأتي بها السيول وماء تخزنه السيول”.
ويتساءل: “لماذا نكره كثرة الأقلام التي تحاول الكتابة الشعرية أو النثرية حتى ولو لم تكن مبدعة. دعها تحاول دعها تنشر، كثرتها مُهمة لإيجاد مجتمع إبداعي صحي. وقلّتها ستحمل الجفاف إلى الأراضي الخصبة”.
وحول ثنائية المركز والهامش، أو الوسط والأطرف، والتي تلعب دوراً في “غياب” الصوت القادم من بعيد، أو “عرقلة” وصوله، يقول قراطاس : “الثقافة العربية مبنية على القوالب الجاهزة في أكثرها ومتأثرة جداً بالخط الزمني”، معتقداً أن أحد الأسباب الرئيسية في تأخّر وصول الآداب العربية إلى العالمية هي “البيروقراطية في التفكير وتقييم الإبداع”، فأكثر الفائزين والظاهرين على قنوات الإعلام بحسب هذا الشاعر، هم من “الفئة التي عرفت من أين تؤكل الكتف في علاقاتها المكانية والزمنية، لذلك فأغلبهم لا يمتلكون الإبداع والكفاءة الحقيقية لمنافسة الآداب العالمية أو التأثير فيها، فيما دُفنت المواهب العظيمة واغتيلت قبل أن تكبر أو تظهر للعالم”.ويستغرب قراطاس من شكوى بعض مسؤولي الثقافة في الدول العربية من أن الأدب العربي يتعرّض لعنصرية عندما يكون الأمر متعلقاً بجوائز رفيعة كجائزة نوبل أو أيّ جائزة ذات قيمة معنوية مشابهة. ومنبع استغرابه هو “الفارق الشاسع” بين ما يُكتب أدبياً في العالم وبين ما يكتبه مَن ترشّحه الدول العربية لنيل تلك الجوائز.
ويرى قراطاس أن العرب هم “السبب الرئيسي” في هذا التخلف عن الركب العالمي، لأنهم اعتادوا “أن يرفعوا الأقلام التي تقف على أكتاف العلاقات العامة والمحسوبية والسلطة، وليس هناك سعي حقيقي للبحث عن الأقلام الإنسانية الخلّاقة”، مؤكداً: “إذا استمرت العقليات نفسها والمحسوبيات في تقييم الأدب والإبداع، سنظل في ذيل الأمم المؤثرة في النطاق الثقافي والأدبي التي تساهم في تشكيل العالم الجديد”.
وحول المطلوب لرتق الفجوة أو التجسير بين المثقفين في أرجاء الوطن وبين المؤسسات الثقافية داخل العاصمة، يقول قراطاس إن هذا الموضوع لم يعد مطروحاً، لأن العالم الآن “لم تعد فيه أيّ مركزية؛ لا في عاصمة ولا في مدينة”، ويضيف أن العاصمة الحقيقية الآن هي “الشبكة العنكبوتية”، فمن خلالها يستطيع المبدع الوصول إلى ملايين القراء دون الحاجة في أن يكون في العاصمة جغرافياً.
وفي الوقت الذي يتفق فيه مع فكرة أن الدول تستطيع من خلال إمكانياتها صنع أسماء وبسرعة زمنية كبيرة، إلّا أنه يؤمن أن الأقلام المجتهدة تستطيع الوصول أيضاً من خلال الشبكة العنكبوتية ومن دون الحاجة لدعم عاصمة أو دولة، فالقادم “يبشر بظهور أسماء كبيرة لو عاشت في زمن التلفزيون والقنوات لكانت مدفونة”.
ويختم قراطاس حديثه بقوله: “أتمنى أن يفوق عدد الكتاب الممارسين والمبتدئين والمتأملين للأعمال الإبداعية عددَ المهتمين بالتلفزيون أو السينما أو شبكات التواصل الاجتماعي. عندها سنعلم أيّ جنّة لنا نحن المخلصين للأدب والإبداع”.

إلى الأعلى