الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : تشيلكوت.. تغافل الجرم الأخلاقي الذي ارتكب في العراق

رأي الوطن : تشيلكوت.. تغافل الجرم الأخلاقي الذي ارتكب في العراق

الكثير من العراقيين الذين دمر وطنهم وشردتهم حرب دبرت بليل، ينتظرون يومًا يتم فيه محاسبة كل من شارك في شن هذه الحرب على العراق وجاء بأتباعه على دباباته لينشروا فيه طائفية لم تكن يعرفها العراق في ظل حكم الرئيس الراحل صدام حسين؛ لذا فقد نظر الكثير من العراقيين إلى تقرير تشيلكوت البريطاني كخطوة أولى، خصوصًا وأن التقرير البريطاني قد أكد أن واشنطن دفعت لندن إلى اتخاذ عمل عسكري في العراق مبكرًا، وأن رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، هوَّل من التهديد الذي مثله صدام حسين، وأن الإجراء العسكري لم يكن هو الخيار الأخير، وهي كلمات حرصت على عدم قول الحقيقة المطلقة، وهي وجود أمر دبر بليل وقرار اتخذ لتدمير العراق، دون النظر إلى ما زعموه من تهديدات عراقية.
وبرغم غياب كلمات الإدانة الحاسمة، واكتفاء التقرير بذكر أن بلير أرسل قوات ـ لم تكن مستعدة جيدًا إلى المعركة ـ وأن خططه كانت غير كافية بالمرة لتبعات ما بعد الحرب، والتأكيد على أن غزو 2003 لم يكن هو (الخيار الأخير) الذي قُدم إلى أعضاء مجلس العموم، وإلى الناس، والاكتفاء بالتأكيد على أنه لم يكن هناك تهديد وشيك من صدام حسين، وأن ما قالته الاستخبارات لم يكن مبررًا، إلا أن التقرير أدان وبوضوح موقف واشنطن من الحرب، ووثق تاريخيًّا معلومات تؤكد أن بوش ورفاقه في الإدارة الأميركية آنذاك، كانوا يريدون دق طبول الحرب ولو على جثث ودماء ملايين العراقيين.
حيث أكد التقرير أن الأميركيين لم يكونوا صادقين، وأن وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد لم يكن يسمع لا إلى الأمم المتحدة، ولا إلى بريطانيا بشأن تبعات ما بعد الغزو، كما أكدت معلومات جمعها التقرير دون لبس، أن الولايات المتحدة فككت الجيش العراقي وحزب البعث العراقي دون استشارة أحد، وهنا تطل الأسئلة الأخلاقية عن ما حدث في العراق، وماذا بعد هذا التقرير؟ هل تملك الأمم المتحدة فتح تحقيق أكثر دقة يحدثنا عن من قتل ملايين العراقيين وتسبب في تهاوي السلطة المركزية العراقية، ما أدى إلى وقوع العراق فريسة للصراعات الدولية بالوكالة، ولطائفية بغيضة أكلت الأخضر واليابس، خصوصًا وأن واشنطن التزمت الصمت، ورفضت الرد عن الاتهامات التي طالتها وذكرها التقرير، مؤكدة أنها لن ترد على نتائج تقرير تشيلكوت، بزعم انشغالها بالقضايا الحالية في الشرق الأوسط.
وحتى في بريطانيا هل يكفي إبداء رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير الأسف والحزن، ليس للشعب العراقي الذي قتل وشرد لكن لبلاده؛ كونه اتضح له لاحقًا أن التقييمات الاستخباراتية التي تم تقديمها عندما كان يتوجه للحرب، كانت مغلوطة، والعواقب كانت تحمل طابعًا أكثر عدائية ودموية، وأطول مدة مما كنا نتصوره وقت اتخاذ القرار بالتدخل، وهو شعور لن يعيد للعراقيين الأمن والوئام اللذين كانا يعيشونهما بدون حرب بوش ـ بلير التي وصفها المحارب (بوش) بـ(المقدسة)، ولن يعيد لكل أُم مكلومة ابنًا فقدته، ولا لطفل خرج للحياة يتيمًا نتيجة أكذوبة أسهم في صياغتها أكبر دول العالم طمعًا في بسط سيطرة وسرقة نفط وتدمير العراق الدولة الصاعدة عسكريًّا واقتصاديًّا وعلميًّا.
إن نتائج هذا التقرير وما يشبهه من تقارير ـ للأسف ـ لا تلزم باتخاذ قرار أخلاقي واضح وصريح يدين من لعب بمصير الأمم وعبث بمستقبل الشعوب، ويكلفه ذلك تبعاته مثلما تنادي المحكمة الجنائية الدولية بملاحقة مجرمي الحرب في بعض الدول الضعيفة فقط، رغم أن جرائم غزاة العراق طالت الملايين من شعبه، ورغم أن الجريمة مكتملة المعالم، تمت دون موافقة أممية أو تصريح، ضد شعب أثبتت الأحداث اللاحقة أن بلده لم يملك أسلحة الدمار الشامل المزعومة، لكن يملك كرامة وطنية أرادت الإمبريالية العالمية إهدارها، ما فتح الطريق لوقوع ذلك الشعب العظيم فريسة لـ”داعش” وأخواته. ولعل ليس هناك دليل على الجريمة أكثر من تصريحات كاظم حسن الجبوري الذي شارك في تحطيم تمثال صدام حسين أثناء اقتحام القوات الأميركية لبغداد العام 2003، التي أكد فيها ندمه على فعلته، وتمنيه عودة حكم الرئيس العراقي الراحل، مؤكدًا أن الوضع كان أفضل بكثير، مشددًا على حتمية محاكمة بوش وبلير، وليس خروج تقارير هزيلة تدين تصرفاتهم جزئيًّا.

إلى الأعلى