الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (والله يحب المطهرين)

(والله يحب المطهرين)

أيها القراء الأعزاء: حفظاً لنعمة الصحة أمرنا ديننا بالنظافة وجعل الطهور شطر الإيمان، شرع لنا ديننا كثيراً من أنواع الغسل المفروضة والمندوبة، فأوجب علينا الغسل من الجنابة وكذا المرأة من الحيض والنفاس، وشرع لنا غسل الميت رغم أنه في آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة وسيدفن في القبر بين الدود والتراب، وسنّ لنا غسل الجمعة والعيدين والإحرام لمن أراد حجا أو عمرة، ورغب في الوضوء قبل النوم لينام على طهارة، كما جاء في حديث البراء بن عازب أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال له:(إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإنك إن مت من ليلتك مت على الفطرة وإن أصبحت أصبت خيراً، فاجعلهن آخر ما تقول).
كم من نائم نام وما قام، فما يدري الإنسان إذا نام لعلها آخر نومة لا يقظة بعدها فيكون قد نام طاهراً، فقد روي الطبراني وابن حبان عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(طَهِّرُوا هَذِهِ الأَجْسَادَ طَهَّرَكُمُ اللَّهُ, فَإِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ يَبِيتُ طَاهِرًا إِلا بَاتَ مَلَكٌ فِي شِعَارِهِ لا يَنْقَلِبُ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ إِلا قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِكَ فَإِنَّهُ بَاتَ طَاهِرًا).
وماذا عن خير البقاع في الأرض وهي المساجد، بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب .
أمرنا الله أن نعظم بيوته، والتعظيم يبدأ عند الشروع في الذهاب إليها، (يا أيها الذين آمنوا خذوا زينتكم عند كل مسجد)، فأنت تقبل على بيت العظيم سبحانه، ومن تعظيم شعائر الله تعظيم هذا اللقاء، فالمساجد بيوت الله في الأرض، وزوارها عمارها الذين يعمرونها بمجالس العلم وقراءة القرآن والصلاة والذكر والدعاء، وهذه العمارة هي علامة الإيمان، (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين).
ومدح الله قوماً يعمرون بيوته ويحرصون على الطهارة لأنها شعار هذه الأمة الطاهرة (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين).

وقد جعل الشارع الحكيم أحكاماً متعلقة بهذه البقاع تعليماً للأمة سنن النظافة والطهارة :
ـ سنّ الغسل عند اجتماع عدد كبير من الناس فيها كالجمعة والعيدين، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما يغسل فيه رأسه وجسده)، وعني بنظافة الشعر فروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(من كان له شعر فليكرمه).
ـ وسنّ لنا التطيب والتجمل بلبس أفضل الثياب وأكرمها عند القدوم عليها ولا سيما في الجمعة . البخاري وأحمد عن سلمان عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى).
ـ نهى عن كل ما يؤذي المسلم من رائحة كريهة، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن جابر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته) ذلك لأن الملائكة تتأذي مما يتأذي منه بنو آدم، إذا كان هذا في الثوم والبصل وفيهما ما فيهما من المنافع ، فكيف بالدخان وهو سرطان وسم قاتل لا منفعة فيه؟!.
ـ سنّ لنا سنن الفطرة وأنها من سنن المرسلين قبلنا، فقال:(خمس من الفطرة : الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط)، ورغب في السواك لأنه مطهرة للفم فروي البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاَةٍ)، وروى أحمد والنسائي وابن حبان عن عائشة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) .
دين يعتني بالصحة ويأمر بالنظافة والطهارة ويدعو إلى كل جميل طيب تطيب معه الحياة فهل يزهد فيه عاقل أو يفرط فيه من يريد حياة طيبة؟!.
روى الترمذي وابن ماجه عن عبيد الله بن محصن قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها).
كم لله علينا من نعمة ظاهرة وباطنة، فمن أصبح وفتح عينيه فوجدهما مبصرتين لم ينطفئ نورهما أليست هذه نعمة؟ ومن أصبح يحرك لسانه بيسر وسهولة لم يصيبه الخرس أليست هذه نعمة؟ ومن أصبح ومعه عقله لم يفقد ذاكرته وهو في يقظة وكامل وعيه أليست هذه نعمة؟ ومن أصبح يريد أن يحرك يديه أو قدميه فتحركت اليد والقدم لم يصبهما شلل أو عاهة أليست هذه نعمة؟ كم لله علينا من نعم لا نحصيها (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار).
نحمد الله أن رزقنا دينا يعلمنا حفظ النعم بالشكر والعناية، ونحمد الله أن جعلنا من أمة عنوانها الطهارة والنظافة، وعلامة هذه الأمة يوم القيامة أنهم يأتون محجلين من آثار الوضوء .
بل تأمل في هذا الدعاء الذي كان يدعو به الحبيب عندما يصلي صلاة الجنازة على ميت، روى مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال:(صلى رسول الله على جنازة فحفظت من دعائه:(اللهم اغفر له، وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس)، وعندما يستفتح الصلاة كان يقول:(اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب) .. اللهم نقنا من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واللهم اغسلنا من خطايانا بالماء والثلج والبرد .

إعداد/علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى