الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (113)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد : فإن الـطاعـة لله وامتـثـال أوامـره ، أمـر مـفـروغ منهـم لا يحـتاج إلى نـقاش ، قال الله تعـالى :(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الـذاريات 56 ـ 58).
أيها الـمـؤمـن اجـعــل الهـمة والنصـر للـروح ، واجـعــل الهـزيمة والـمـوت للنفـس في القـلـب، حـتى تـتـفـكـر وتـتـذكـر، لأن مـنزلـك القــبر وأهـل الـمقابـر ينتـظـرون قـدومـك في كل لحـظـة متى تصـل إليهـم ، إذن: إياك وإياك أن تصـل إليـهـم بغــير زاد تـأخـذه مـن هـذه لـتـلـك ، قال أبـو بـكـر الصـديق ـ رضي الله عـنه:(هـذه الأجـسـاد قـفـص الـطـيـور واصطـبــل الـدواب ، فـتـفـكـر في نفـسك مـن أيهـما أنـت، إن كـنت مـن الطـير العـلـوي وســمعـت قـول الله سـبحانه وتعـالى:(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ،وَادْخُلِي جَنَّتِي) (الـفـجـر 27 ـ 30)، فـتطـير صاعـدا إلى أن تستـقـر في أعـلى درجـات الجـنات.
ومما يحـكى عـن حـاتـم الأصـم ، أنه كان صحـب شـقـيـق بن إبـراهـيـم البلخي فـقال شـقـيـق لحاتم صاحـبتـني مـنـذ ثـلاثين سـنة ، فـما حاصلك فـيها ؟.
قال حـاتـم: حـصـلت عـلى ثـمان فـوائـد مـن العـلـم، وهـي تكـفـينـي منه لأني أرجـو خـلاصي ونجاتي فـيها، فـقال شـقـيق ما هي؟، قال حاتـم الأصـم فإلـيـك تلـك الفــوائـد مفـصـلة فـيـما يلي :
الفائـدة الأولى : أني نظـرت إلى هـذا الخـلـق، فـرأيـت لـكل واحـد مـنهـم محـبـوبا ومعـشـوقـا يحـبه ويعـشـقـه، وبعـض ذلك المحـبــوب يصاحـبه إلى مرض الـمـوت ، وبعــضه يصاحـبه إلى شـفـير القـبر، ثـم يـرجـع كله ويـتركه فـريـدا وحـيـدا ، ولا يـدخـل مـعـه في قــبره أحـد، فـتـفـكـرت وقـلـت: أفـضـل محـبـوب الـمـريء مـا يـدخـل مـعـه في قـبره ويـؤنسه فـيه، فـما وجـدت إلا الأعـمال الصالحـة ، فأخـذتها محـبـوبا لي لـتكـون سـراجـا في قـبري وتـؤنسني فـيه ولا تتـركـني فـريــدا.
الـفـائـدة الثانية: أني نظـرت الخـلـق يـقـتـدون أهـواءهـم ، يـبادرون إلى مـراد ات أنفـسـهـم ، فـتأملـت في قـوله تعـالى:(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) (النازعات 40 ـ 41)، وتيقـنت أن القـرآن الكـريـم حـق وصـادق ، فـبادرت إلى خـلاف نفـسي وشـمـرت لـمجاهـدتها، وما أتبـعـتها بهـواها حتى ارتاضـت لطاعـة الله تعـالى، وانقـادت لأوامـره.
الفـائـدة الثالثة: أني رأيت كـل واحـد مـن الناس يسـعى في جـمـع حـطـام الـدنـيا ، ثــم يمـسـكه قابـضا يـده ، فـتأملـت في قـوله تعـالى:(مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحـل ـ 96) فـبـذلـت محـصـولي لـوجـه الله تعـالى ، فـفـرقـته بين الـمساكـين ذخـرا عـنـد الله.
الـفـائـدة الـرابعـة: أني رأيت بعـض الخـلـق يظـن شـرفه وعـزه في كـثرة الأقـوام والعـشائـر، فاغـتر بهـم ، وزعـم آخـرون أنه في كـثرة المال وكـثرة الأولاد فأفـخـروا بهـا، وحـسب بعـضهـم العـز والشـرف في غـصـب أمـوال الناس وظـلمهـم وسـفـك دمائهم ، واعـتقـدت طـائفـة أنه في إتـلاف الـمال وتـبـذيره، وتأمـلت قـوله تعـالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ..) (الحجـرات ـ 13)، فاخـترت التـقـوى، واعـتـقـدت أن القـرآن العـظـيم حـق وصـادق، وظـنهـم وحـسبانهـم كلها غـرور وباطـل زائـل.
الـفـائـدة الخامسة: أني رأيـت الناس يـذم بعـضـهـم بعـضاً، أو يـغـتاب بعـضهـم بعـضاً، فـوجـدت ذلك مـن الحـسـد في الـمال والجـاه والعـلـم، فـتـأملت في قـوله تعـالى:(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الـزخـرف ـ 32)، فـعـلمت أن القـسمة كانت مـن الله في الأزل، فـما حـسـدت أحـدا، ورضيـت بقـسـمة الله تعـالى.
الـفائـدة السادسة: أني رأيت الناس يعـادي بعـضـهـم بـعـضا لـغـرض وسـبـب، فـتأملت في قــوله تعـالى:(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطـر ـ 6)، فعـلمـت أن الـعـداوة لا تجـوز لأحـد غـير الشـيطـان ، فـلـذلك حـذرنا الله مـنه.
الـفـائـدة السابعـة: أني رأيت كل واحـد مـن الناس يسعى بجـد ، ويجـتهـد بمبالغـة لطـلـب القــوت والمعـاش بحـيـث يقـع به في شـبه حـرام، ويـذل نفـسه ويحـط مـن قـدره، وتأملت في قـوله تعالى:(وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (هـود ـ 6) فـعـلمت أن رزقي عـلى الله تعـالى وقـد ضـمنه فـاشـتـغـلت بعـبادته ، وقـطـعـت طـمعي عـمـن سـواه.
الـفـائـدة الثامنـة: أني رأيـت كل أحـد يعـتـمـد إلى شـيء مخـلـوق: بعـضهـم إلى الـديـنار والـدرهـم، وبعـضهـم إلى الـمال والـملك، وبعـضهـم إلى الحـرفـة والصناعة، وبعـضهـم إلى مخـلـوق مثـله، فـتأملت قـوله تبارك وتعالى:( .. وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚإِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطـلاق 2 ـ 3)، فـتـوكلت عـلى الله فـهـو حـسبي ونعـم الـوكيـل.
فـقال شـقـيق بن إبـراهـيـم البـلخي، وفـقـك الله يا حـاتـم إني قـد نـظـرت في الـتـوراة والـزبـور والإنجـيـل والـفـرقان ، فـوجـدت الـكـتب الأربـعـة تـدور عـلى هـذه الـفـوائـد الثمانية ، فـمن عـمـل بها كان عـامـلا بهـذه الـكـتب الأربـعـة.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى