الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (30)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (30)

أقوال العلماء في وجوب الجمعة على المسافر يمكن تلخيصها كالآتي:
الأول: أنه غير مطالب بها مطلقاً لا بنفسه ولا بغيره، والأفضل حضورها لأنها أكمل وهذا مذهب جماهير العلماء.
الثاني: أنه غير مطالب بها بنفسه، بمعنى أنه لو وجد جماعة مسلمون مسافرون عددهم مائة مثلاً، وليس بينهم مستوطنون غير مسافرون ممن تنعقد بهم الجمعة، فلا تلزمهم الجمعة، وفي صحتها منهم لو صلوها خلاف ولكنه يطالب بها بغيره، بمعنى أنه لو وجد جماعة مسلمون مسافرون في بلد تقام فيه الجمعة لزمتهم الجمعة بغيرهم، لعموم الأدلة في إجابة النداء ليوم الجمعة وبه قال الخليلى في الفتاوى (ص 127) قياساً على قول الإمام هاشم بن غيلان والإمام موسى بن سامة وإن خالف بذلك قول الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ
وعلى هذا يمكن حمل كلام من أهل العلم ممن يلزمون المسافر بالجمعة على ذلك، كالزهري والنخعي حيث نقل النووي عنهم: إذا سمع النداء لزمته.
وإلى هذا القول ذهب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حيث قال:(أما المسافر في بلد تقام فيه الجمعة، كما لو مر إنسان في السفر ببلد ودخل فيه ليقيل، ويستمر في سيره بعد الظهر فإنها تلزمه الجمعة لعموم قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله و ذروا البيع) (الجمعة ـ 9) وهذا عام، ولم نعلم أن الصحابة الذين يفدون على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويبقون إلى يوم الجمعة يتركون صلاة الجمعة، بل إن ظاهر السنة أنهم يصلون مع النبي (صلى الله عليه وسلم).
فإن قيل: ولم لا يدخل المسافر في عموم الآية في إلزامه بالجمعة إذا كانوا جماعة تنعقد بهم جمعة، وما وجه التفريق بين هذا وذاك؟.
فالجواب أنه في هذا الحال فلا نداء أصلاً ليدخل المسافر في عمومه، ونحن نقول إن كان هناك نداء للجمعة لزمه الإجابة، ولا نلزمه هو بإحداث هذا النداء.

قال النووي: الناس في الجمعة ستة أقسام، أحدهما: من تلزمه وتنعقد به، وهو الذكر الحر البالغ العاقل المستوطن الذي لا عذر له، والثاني: من تنعقد به ولا تلزمه وهو المريض والممرض ومن في طريقه مطر ونحوهم من المعذورين، ولنا قول شاذ ضعيف جداً أنها لا تنعقد بالمريض .. حكاه الرافعي، والثالث: من لا تلزمه ولا تنعقد به ولا تصح منه، وهو المجنون والمغمى عليه وكذا المميز والعبد والمسافر والمرأة والخنثى، والخامس: من لا تلزمه ولا تصح منه وهو المرتد، والسادس: من تلزمه وتصح منه وفي انعقادها به خلاف وهو المقيم غير المستوطن ففيه الوجهان المذكوران في الكتاب، أصحهما: لا تنعقد به.
4 ـ عدم العذر، سواء كان العذر لمرض أو مطر أو خوف.
وأما المرض، فلحديث طارق بن شهاب مرفوعاً عند أبي داود:(الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض).
قال النووي: لا تجب الجمعة على المريض سواء فاتت الجمعة على أهل القرية بتخلفه لنقصان العدد أم لا، لحديث طارق وغيره. قال البندنيجي: لو تكلف المريض المشقة وحضر كان أفضل.
قال المتولي: ويلتحق بالمريض في هذا من به إسهال كثير. قال: فإن كان بحيث لا يضبط نفسه حرم عليه حضور الجمعة لأنه لا يؤمن تلويثه المسجد.
وقال: الأعمى إن وجد قائداً متبرعاً أو بأجرة المثل وهو واجدها لزمته الجمعة وإلا فلا تجب عليه. هكذا أطلقه المصنف والجمهور، وقال القاضي حسين والمتولي: تلزمه إن أحسن المشي بالعصا بلا قائد .. وممن قال بوجوب الجمعة على الأعمى الذي يجد قائداً مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد وداود، وقال أبو حنيفة: لا تجب.
و أما المطر، فلحديث ابن عمر: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينادي مناديه في الليلة المطيرة أو الباردة :(صلوا في رحالكم). والمطر الذي يعذر به هو الذي يبل الثياب، لأن في الخروج فيه مشقة.
وبوّب البخاري باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر، وأورد حديث ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم ، فكأن الناس استنكروا، قال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أُحرجكم فتمشون في الطين والدحض، والدحض هو الزلق.
قال الحافظ: وبه قال الجمهور، ومنهم من فرق بين قليل المطر وكثيرة ، وعن مالك: لا يرخص في تركها بالمطر، وحديث ابن عباس هذا حجة في الجواز.
ومثل المطر في المشقة الريح أو العواصف الشديدة والبرد الشديد غير المعتاد والذي يشق على الناس الخروج فيه للصلاة، وكل أمر تلحق الناس فيه مشقة عظيمة يعذرون به في ترك الجمعة والجماعة .
وذهب بعض العلماء إلى البرد الشديد لا يبيح التخلف عنها بلا ريح لسهولة اتقائه، ولا الريح دون برد لأنها لا تضر إلا إذا آذت الأعين وعاقت المسير، فمدار الأمر إذن المشقة.
وحكي عن مالك أنه كان لا يجعل المطر عذراً في التخلف عن الجمعة.
وأما الخوف، فلحديث ابن عباس مرفوعاً قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر) قالوا: وما المعذور؟ قال:(خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى).
والخوف ثلاثة أنواع:أحدهما: الخوف على المال من سلطان أو لص، وقال بعضهم أو يكون له خبز في تنور أو طبيخ على النار! وما أشبه ذلك، فهذا كله عذر عن الجمعة والجماعة، لأنه خوف فيدخل في عموم الحديث، والثاني: الخوف على نفسه، مثل أن يخاف من سلطان يأخذه أو عدو أو سبع أو سيل، والثالث: الخوف على ولده وأهله أن يضيعوا، أو يكون ولده ضائعاً ويرجو وجوده في تلك الحال فيعذر بذلك لأنه خوف .. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى