الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / إعمار غزة المدمرة.. بين الحصار الإسرائيلي ونقص مواد البناء
إعمار غزة المدمرة.. بين الحصار الإسرائيلي ونقص مواد البناء

إعمار غزة المدمرة.. بين الحصار الإسرائيلي ونقص مواد البناء

* ثلاثة اعتداءات أنهكت القطاع وأتت على كل ما تبقى من مقومات الحياة الكريمة

إعداد : طارق سرحان
مضى عامان كاملان على عداون الاحتلال الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، والذي وصف بالأكثر عداونية وشراسة واستمر قرابة نحو 51 يومًا. ولايزال حال الفلسطينيين هناك وما يمرون به على مدار ثمانية أعوام من حصار إسرائيلي ظالم خانق يتخلله أعمال عدوانية بين الفينة والاخرى، لا يسر عدوا ولا حبيبا.
وصادف، الخميس المنصرم، الذكرى الثانية للعدوان الإسرائيلي الثالث والأخير على قطاع غزة، الذي راح ضحيته أكثر من 2000 شهيد من بينهم حوالي 550 طفلا، و300 امرأة، فيما جرح نحو 11 ألفا آخرين، (10870)، منهم (3303)، يعاني منهم ألفًا “إعاقة دائمة” ، وأصيبت 302 امرأة، منهن 100 امرأة تعاني من إعاقة دائمة، وفقا لإحصائيات صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية. وتقول وزارة الشؤون الاجتماعية، إن نسبة الجرحى الذين أصيبوا بإعاقات سمعية وبصرية وحركية بسبب الحرب، تجاوزت (40%) من مجموع الجرحى.
هذا بخلاف الدمار الهائل الذي خلفته وآلاف العائلات بلا مأوى. وتقدر الامم المتحدة أن ذلك العدوان دمر 20 ألف منزل بشكل كلي وأكثر من 120 ألف منزل بشكل جزئي. كما بلغ عدد المهجرين قسريا جراء هدم منازلهم بشكل كلي (60612) من بينهم (30853) طفلا، و(16522) فلسطينية.
وعلى صعيد المجتمع المدني وخسائر الاقتصاد، قدرت المنظمات والمؤسسات المحلية مجموع الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالقطاع الاقتصادي في قطاع غزة بنحو 3 مليارات و6 ملايين دولار، حيث استهدف الاحتلال 9 محطات لمعالجة المياه، و18 منشأة كهربائية، و19 مؤسسة مالية ومصرفية، و372 مؤسسة صناعية وتجارية، إضافة إلى استهداف 55 قارب صيد.

ويثير تباطؤ عملية إعادة إعمار قطاع غزة، استياء منظمات الاغاثة والعمل الانساني التي عبرت كذلك عن غضبها إزاء عدم المحاسبة عن جرائم الحرب الاسرائيلية التي ارتكبت. ودعا ائتلاف من أبرز المنظمات الحكومية دولة الاحتلال الى رفع الحصار عن قطاع غزة الفقير في حين اعتبرت منظمة العفو الدولية من غير المبرر انه لم يتم حتى الان تقديم أي شكوى بشأن ارتكاب جرائم الحرب.
وأدى الحصار الإسرائيلي للقطاع، لتوقف كافة مشاريع التنمية في قطاع غزة، خلال تلك الفترة مما كان له الأثر السلبى على حياة الفلسطينيين وتسبب في نقص حاد في الوحدات السكنية، البنى التحتية، الطرق، المستشفيات، المدارس، الطاقة والمياه. وتسير عملية إعادة الاعمار ببطء شديد حتى أن الامم المتحدة استغرقت أكثر من سنة لاعادة بناء أول منزل دمره العداون مع إبقاء دولة الاحتلال على حصارها المحكم للقطاع والحد من ادخال الكثير من مواد البناء الاساسية والتي تدعي أنها تخشى أن تقع في أيدي حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة. وأكدت جمعية وكالات التنمية الدولية (ايدا) العاملة في إسرائيل والاراضي الفلسطينية في تقرير نشر قبل يوم من ذكرى اندلاع الحرب الجمعة أن الحصار الاسرائيلي المفروض على القطاع منذ ثماني سنوات وأكثر “يعيق عملية إعادة الاعمار بشكل كبير”. وإكد كريس اجكمانس، المدير الاقليمي لمنظمة اوكسفام الخيرية البريطانية العضو في “ايدا” انه “اذا لم يرفع الحصار لن يتمكن فلسطينيو غزة من المضي قدما والعيش بحرية وكرامة وأمان”. ودعا ائتلاف “ايدا” “قادة العالم الى الايفاء بالتزاماتهم والضغط من أجل الانهاء الفوري للحصار”.
ورغم بناء طرق جديدة لا تزال مناطق كثيرة معزولة والاقتصاد راكدا اذ يعاني القطاع من أحد أعلى مستويات البطالة في العالم يصل الى 45% في حين تضاعفت عمالة الاطفال مرتين خلال السنوات الخمس الماضية وفق تقديرات فلسطينية.
سهاد المصري (40 عاما) والتي فقدت منزلها خلال العداون الاسرائيلي وشهدت مقتل ابنة عمها قالت : “لا أحب أن أتذكر الامر لكني حزينة. لم يعيدوا بناء المنازل المدمرة والحصار مستمر، وليس هناك عمل”. وتصاعد الخوف بين سكان غزة في الاشهر الاخيرة من اندلاع حرب جديدة مع إسرائيل ستكون الرابعة منذ 2008، بعد أن اكتشفت إسرائيل نفقين جديدين بنتهما حركة حماس وقالت إنهما تجاوزا الحدود. بعد توتر لفترة قصيرة في مايو، قال الجانبان إنهما مستعدان للحرب.
وقال محمد أبو دقة (26 عاما) الذي يعمل في مدرسة حكومية “أنا قلق من حرب رابعة. الاحتلال يهدد بشن الحرب على أنفاق حماس”. ودعا حركة حماس الى المصالحة مع الرئيس الفلسطيني ورئيس حركة فتح محمود عباس الذي يدير شؤون الضفة الغربية للعمل معا من أجل حشد تأييد دولي لرفع الحصار عن غزة. وأضاف “لكن حماس وفتح غير مستعدتين للمصالحة، للاسف”.
وتساءلت منظمة العفو الدولية في تقرير موجز جديد صدر عنها، الخميس، عن سبب عدم إجراء أية تحقيقات جنائية حقيقية في تلك الجرائم، ولماذا لم تتم مساءلة أحد بشأن تلك الفظائع على الرغم من جرائم الحرب التي ارتكبت. وفي تقريرها قالت المنظمة إنه لم توجه التهمة سوى الى ثلاثة جنود إسرائيليين في قضايا متصلة بالحرب وجميعها لمخالفات بسيطة. وقال مدير الشرق الاوسط وشمال أفريقيا لدى منظمة العفو فيليب لوثر إن “عدم محاسبة أي شخص عن جرائم حرب ارتكبها الجانبان خلال النزاع هو أمر يتعذر تبريره. مر عامان وحان الوقت لكي تأخذ العدالة مجراها”.
وقبل عامين وفي مثل هذا اليوم، (السابع من يوليو) 2014، نفذ الاحتلال الإسرائيلي عدواناً على قطاع غزة، أسماه “الجرف الصامد”، فيما أطلقت عليها (الحرب مع الكيان الصهيوني)، حركة المقاومة الإسلامية (حماس) اسم “العصف المأكول”. وشنت القوات الإسرائيلية قرابة 60 ألفًا و664 غارة على قطاع غزة، جواً وبراً وبحراً. بينما تمكنت صواريخ المقاومة، وعملياتها التي تطورت تطورا نوعيا تلك المرة، من قتل 68 عسكريًا من جنود الاحتلال، و4 مدنيين، إضافة إلى عامل أجنبي واحد، وإصابة 2522 إسرائيلياً بجروح، بينهم 740 عسكريًا، حوالي نصفهم باتوا معاقين، بحسب بيانات رسمية إسرائيلية. كما، أعلنت كتائب القسام الجناح المسلح لحركة “حماس” في 20 من يوليو، عن أسرها الجندي الإسرائيلي شاؤول آرون، خلال تصديها لتوغل بري لجيش الاحتلال شرق مدينة غزة. وبعد يومين، اعترف كيان الاحتلال بفقدان آرون، لكنه رجح مقتله في المعارك مع مقاتلي “حماس”. وتتهم دولة الاحتلال حركة “حماس” باحتجاز جثة ضابط آخر يدعى هدار غولدن قُتل في اشتباك مسلح شرقي مدينة رفح، يوم 1 أغسطس، وهو ما لم تؤكده الحركة أو تنفه. وكانت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، قد أعلنت عن فقدان جثتي جنديين في قطاع غزة خلال العدوان عام 2014، لكن وزارة الدفاع عادت وصنفتهما، مؤخرا، على أنهما “مفقودان وأسيران”.

وكان ذلك العدوان هو الثالث الذي يشنه الاحتلال على قطاع غزة، وانتهى في 26 أغسطس 2014. حيث دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الساعة السابعة مساءً، بعد 51 يوما من الحرب لتبقى آثار الدمار شاهدةً على جرائم الاحتلال حتى يومنا هذا. وكان واضحا منذ اليوم الأول من العداون، استهداف الطائرات الإسرائيلية لمنازل المدنيين بشكل عشوائي بقصد تدميرها كإجراء عقابي، وإصابة أكبر عدد من أهالي القطاع دون اكتراث لأي قوانين دولية.
وبعد توقف الحرب وفي 12 أكتوبر 2014 عقد مؤتمر لإعادة إعمار غزة في القاهرة برعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومشاركة خمسين منظمة وحكومة، وتعهدت الدول المشاركة بتقديم 5.4 مليار دولار، نصفها لإعادة إعمار القطاع الذي لحق به دمار واسع. وتعهدت دول عربية ودولية في أكتوبر 2014 بتقديم نحو 5.4 مليار دولار أمريكي، نصفها تقريباً تم تخصيصه لإعمار غزة، فيما النصف الآخر لتلبية بعض احتياجات الفلسطينيين، غير أن إعمار القطاع، وترميم ما خلّفه العدوان، يسير بوتيرة بطيئة عبر مشاريع خارجية بينها أممية، وأخرى قطرية، وتركية. وبحسب بيان لحكومة الوفاق الفلسطينية فإن المبلغ المخصص لإعادة الإعمار، لم يصل منه سوى 30%. وتقول “أونروا”، إنها أوشكت على الانتهاء من بناء 1300 منزل من البيوت المدمرة بشكل كلي.
وقدّرت وزارة الاقتصاد الفلسطينية الخسائر الإجمالية المباشرة وغير المباشرة، في المباني والبنية التحتية، وخسائر الاقتصاد الوطني في قطاع غزة بكافة قطاعاته بـ 5 مليارات دولار تقريبًا. ووفق وزارة الزراعة الفلسطينية، فإن العدوان، تسبب بخسائر في القطاع الزراعي، وصلت 550 مليون دولار. أما وزارة الأوقاف، فقالت إن إسرائيل دمرت 64 مسجدا بشكل كلي، إضافة إلى تضرر 150 مسجدًا بشكل جزئي. كما رفع عدد الباحثين عن العمل إلى قرابة 200 ألف عامل، يعيلون نحو 900 ألف نسمة، وفق بيان لاتحاد العمال الفلسطينيين. وزار عدد من المسؤولين الأمميين ووزراء خارجية بعض الدول الأوروبية، قطاع غزة منذ انتهاء العدوان، أبرزهم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وتوني بلير مبعوث اللجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط.
وفي هذا الشأن يقول الخبير الاقتصادي الفلسطيني، الدكتور ماهر الطباع في حديث لأحد وكالات الانباء :”إن قطاع غزة تعرض لثلاثة حروب خلال خمس سنوات أتت على كل ما تبقى من مقومات الحياة الكريمة، وأصبح أكثر من مليون مواطن في غزة يتلقون مساعدات إغاثية وهو ما يمثل60% من سكان القطاع، كما ارتفعت معدلات البطالة لتصل 55% وبلغ عدد الباحثين عن العمل 230 ألف عاطل عن العمل وبلغ معدل انعدام الأمن الغذائي 57% من الأسر”. وأضاف الطباع، أنه بعد انتظار دام لمدة 50 يوماً تم عقد مؤتمر المانحين لإعادة إعمار قطاع غزة بـ12/10/2014 في مدينة القاهرة برعاية مصرية، وتقدمت السلطة الوطنية بخطة وطنية للإنعاش المبكر وإعادة الاعمار في غزة وتم وضع هذه الخطة بهدف الانتقال من جهود الإغاثة إلى التنمية طويلة الأمد في قطاع غزة عبر أربعة قطاعات رئيسية هي القطاع الاجتماعي وقطاع البنية التحتية والقطاع الاقتصادي وقطاع الحكومة، وتم طلب مبلغ 4 مليارات دولار لتنفيذ تلك الخطة، وتقدمت السلطة بخطة لدعم الموازنة على مدار الثلاث سنوات القادمة بمبلغ 4.5 مليار دولار، أي أن إجمالي المبلغ الذي كان مطلوبا في مؤتمر المانحين لإعادة إعمار قطاع غزة 8.5 مليار دولار، وما تم رصده في مؤتمر المانحين 5.4 مليار دولار على أن يكون نصف هذا المبلغ لإعادة إعمار قطاع غزة أي 2.7 مليار دولار، والنصف الآخر هو لدعم موازنة السلطة خلال الثلاث سنوات القادمة . وعبر الطباع عن أسفه الشديد من أن إجمالي ما تم رصده لإعادة إعمار قطاع غزة 2.7مليار دولار و هذا المبلغ في حالة توفره فهو لا يغطي خسائر الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وذلك بالرغم من أن غالبية معالم الدمار، الذي خلفه عدوان 2009 و2012ما زالت باقية على الأرض. ولفت إلى أن المبلغ، الذي تم رصده في المؤتمر يغطي قطاعين فقط من خطة إنعاش وإعمار قطاع غزة وهم القطاع الاجتماعي وقطاع البنية التحتية والاسكان، وهو غير كاف لإحداث انتعاش في اقتصاد قطاع غزة ومعالجة الآثار الكارثية للحصار المفروض منذ ثماني سنوات.
وقال الطباع “نحن نقترب الآن من أعتاب الشهر الأول على انعقاد مؤتمر المانحين ومازالت العديد من التساؤلات مطروحة دون إجابة واضحة لها وأهمها:متى سوف تبدأ عملية إعادة الاعمار الحقيقة لقطاع غزة؟ ما هي المدة الزمنية لتسليم أموال المانحين للجهات التى سوف تتولى عملية الاعمار؟ متى سيتم تعويض المتضررين من الحرب؟ متى سوف يتم تعويض أصحاب المنشآت الاقتصادية التى تم تدميرها خلال الحرب؟ ما هي آليات ومعايير إعادة الاعمار و التعويضات؟ كيف يمكن للمواطن غير المتضرر من الحرب الاخيرة الحصول على كيس الإسمنت؟”. وبين أنه “نتيجة لتلك التساؤلات بدأت تتسرب إلى المواطنين مخاوف كبيرة من عدم إمكانية تنفيذ عملية الاعمار على أرض الواقع بسبب الاجراءات الاسرائيلية المتواصلة على المعابر واستمرار فرض الحصار وضبابية وقسوة الآلية الدولية لإدخال مواد البناء الى قطاع غزة”.
وبخصوص الحصار والمعابر التجارية، شدد الطباع على أنه بعد مرور أكثر من شهرين على إعلان وقف إطلاق النار فلم يتغير شيء على أرض الواقع، فحال المعابر كما هي قبل الحرب الاخيرة بل تكاد تكون أسوأ فكافة المعابر المحيطة بقطاع غزة مغلقة باستثناء معبر كرم أبو سالم، والذي يعمل وفق الآلية التى كان يعمل بها قبل الحرب، والتغير الوحيد على حال المعابر هو إدخال 75 شاحنة من مواد البناء للقطاع الخاص بتاريخ 14/10/2014 بالتزامن مع زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، لكن للأسف الشديد وبعد حجز تلك الكمية لمدة 15يوماً تم توزيعها بطريقة الكوبونة المدفوعة على المتضررين في31/10/2014، علماً بأن هذه الكمية لا تمثل سوى 18%من الاحتياج اليومي لقطاع غزة من مواد البناء حيث يحتاج قطاع غزة لإعادة إعماره من ثلاث إلى خمس سنوات لكن هذا يتطلب إدخال ما يزيد عن 400 شاحنة يوماً فقط من مواد البناء (الأسمنت والحديد والحصمة والبسكورس) دون رقابة أو قيود، لكن في حال تم تطبيق آلية الرقابة الصارمة والعقيمة على دخول مواد البناء سيحتاج قطاع غزة إلى 20 عاماً لإعادة الاعمار. وأشار الطباع إلى أن “الخلاصة من ذلك تكمن بأن استمرار الحصار الإسرائيلي الظالم على قطاع غزة يبقي مساعدات المانحين المالية حبراً على ورق ولن يشعر المواطن بعملية إعادة الأعمار والتنمية”.
وقبل العدوان الثالث شن الاحتلال الإسرائيلي عدوانين على قطاع غزة، الأولى في عام 2008، واستمرت لـ”21″ يوما أسفرت عن استشهاد نحو ألفي فلسطيني، فيما شنت الثاني في نوفمبر 2012، واستمر لمدة 8 أيام، وأسفر عن استشهاد 175 فلسطينياً.
وبين الفينة والأخرى تنشر صحف إسرائيلية وعربية عن مفاوضات تجريها أطراف أوروبية مع حركة حماس من أجل إبرام هدنة طويلة الأمد في غزة، وهو ما تنفيه الحركة بشكل مستمر.

إلى الأعلى