الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / آمنة الربيع: أخشى على المسرح من رصاصة الرحمة

آمنة الربيع: أخشى على المسرح من رصاصة الرحمة

مسقط ـ العمانية:
عُرفت الكاتبة آمنة الربيع المولودة في محافظة ظفار، بمسرحياتها التي تجمع بين التراث من جهة والمعاصرة من جهة أخرى، وقد تنوعت اهتماماتها في المسرح، بين النقد والكتابة والبحث، فأصدرت في مجال النقد: “ما يوقظ القلب.. في السرد والنقد والثقافة”، و”البنية السردية للقصة القصيرة في سلطنة عُمان (1980-2000)”، و”مغامرات النص المسرحي في عُمان”.
ومما صدر لها في المسرح: “المحب والمحبوب.. مدونة عشق ديك الجن”، و”الأعمال المسرحية” ويشتمل على خمس مسرحيات هي: “منتهى الحب منتهى القسوة”، و”الذين على يمين الملك”، و”البئر”، و”الجسر”، و”الحلم”.
وشاركت الربيع في عددٍ من المؤتمرات والملتقيات، وحازت مساهماتها على جوائز عربية منها جائزة أفضل نص مسرحي، عن مسرحيتها “منتهى الحب، منتهى القسوة” في مهرجان المسرح الخليجي التاسع (2006) في مملكة البحرين، وفي مهرجان المسرح العُماني الأول (2004) في مسقط.
كما فازت بجائزة الجمعية العمانية للكتاب والأدباء لأفضل إصدار في النقد والفكر والثقافة لعام 2008، وفازت مسرحيتها “البئر” بجائزة العرض المتكامل، وجوائز أفضل مخرج، وأفضل ممثل دور أول، وأفضل ممثلة دور ثانٍ.
وحول اتجاهها للكتابة المسرحية، توضح الربيع في حوار مع وكالة الأنباء العمانية أنه كان لديها محاولات متعثرة ومبعثرة في كتابة الشعر، لكن الشاعر عبدالوهاب البياتي رأى في محاولاتها هذه روحاً حوارية ودرامية وتمرداً، فنصحها أن توظفها في المسرح الذي كانت قد بدأت كتابته وهي في الصف التاسع.

وتؤكد أن اختيارها لكتابة المسرح ليس نوعاً من الترف، وأن الموهبة وحدها لا تكفي، مضيفة أن اختيار المسرح “بدأ كمغامرة وتحدٍّ للقصة والشعر والرواية” التي بدأت بالقراءة فيها قبل أن تعرف إسخليوس وشكسبير.
ينطوي المسرح بحسب الكاتبة آمنة الربيع “على إغراء”، إذ “يكفي أن تنظر بتأمُّل وتمعُّن وعشق للمنصة الفارغة، وأن تنصت للصمت الذي ما يلبث أن يتحول إلى أصوات وضجيج”.
وتضيف الربيع قائلة: “عندما أنظر إلى الخشبة وهي فارغة أصاب برهبة كبيرة. هذه الرهبة إمّا أن تدفعني لمعرفتها واكتشافها، أو الابتعاد عنها وعدم العودة إليها”.
وبعد تشديدها على أن الموهبة وحدها غير كافية، تبين الربيع أنها عندما تعرفت على “أوديب” و”أنتيجون” زاد قربها من المنصّة، فبدأت بالقراءة المكثفة والكتابة، ثم أخذت تتدرّب على تمثيل الشخصيات وتركز في اختيار أسمائها وأبعادها و”لا يحدث الحوار المنتظر إلّا في لحظة العرض، حيث الجمهور وأنفاسهم وأجساد الممثلين وعرَقهم وجهد الفنيين والمخرج”.
ورداً على سؤال حول أبرز العناصر الدرامية والفنية التي تعتمد عليها في الكتابة للمسرح، تقول الربيع إن المفاضلة بين عنصر وآخر غير موجودة، وتضيف: “لا أعرف أن أكتب مسرحيتي دون تخيّل نوع المنصّة أو الفضاء الدرامي وحتى الإضاءة ودرجاتها. يقولون إن المؤلف هو المخرج الأول للعرض، وهذا صحيح. كل عنصر بالمسرحية يتشكل له ملفه الخاصّ. أنا أقوم برحلة بحث طويل في الفكرة التي تشغلني وأجلس مدة غير قليلة مع الشخصيات، وأقضي مدة مكثفة لأرسم العلاقات بين الشخصيات ووجودها الفعلي بحسب تعبير أرسطو الذي ميّز بين وجودَين؛ الوجود بالقوة، ثم الوجود بالفعل”.
وتتفق الربيع مع ما يذهب إليه النقاد من أنها تسند دور البطولة في عدد من مسرحياتها للفكرة أو الثيمة، وتقول: “الفكرة عندي هي لبّ الفعل. هي المُحرّك الأول. إنها بمثابة العظْم الذي سيُكسى بعد ذلك باللحم والحوايا”، فعندما نضع شخصيات المسرحية على المنصة ونتركها تتحرك بلا فكرة أو هدف أو حتى توجيه أو إرشاد من المخرج، فَمِن الأفضل لها أن تجلس في البيت أو أن تنزل إلى الشارع.

وتتابع حول هذا الجانب: “عندما أفكر مثلاً في فكرة الحرية، من الصعب أن تبقى الفكرة مجرّدة، لا بد لها من حكاية وحبكة وصراع وشخصيات وفضاء درامي وحوار وأهازيج. جميع هذه العناصر مهمتها عندي توصيل مقولة ما، أو اتخاذ موقف من وضع مربك أو مقلق. لذلك لا أستطيع التركيز في لحظة كتابة المسرحية إلّا على العناصر مجتمعة ولا أعتقد أن هذا يُحجم من حضور أيّ عنصر”.
وتقدم الربيع شاهداً على ذلك من مسرحيتها “منتهى الحب.. منتهى القسوة”، قائلة: “شغلتني فكرة الألم. كان ينبغي أن أعرف ما هو الألم وأبحث عن تمثيلاته المعنوية والجسدية. ماذا يحدث للجسد عندما يتألم؟ وكيف؟ ومن يؤلمني؟ وما درجة الألم الذي يحفر أشد من سواه” وتضيف: “هذه المسرحية عندما كتبتها وتلقّفها النقاد والقراء وجدوها تعبيراً عن منظومة السلطة وأجهزة الرقابة. كان على السلطة أن تتخلق عن طريق فكرة وشخصيات، وأشك أن تكون هذه الفكرة قد خطرت ببال القراء والنقاد”.
ومن الأعمال البارزة للربيع “يوم الزينة” الذي مزجت فيه بين الواقعي والفانتازي، وحول كيفية تحكّمها بالتوازن بين هذين الاتجاهين بما يضمن نجاح العرض، تقول: “الأمر المهم عندي أن تتساوى المتعة في لحظتين منفصلتين، الأولى هي لحظة القراءة وعندما يقرأ القارئ المسرحية تسعدني ملاحظاته وقوله لي إنه قد استمتع بالنص. أما اللحظة الثانية فتتحقق في زمن العرض وهذه لا تعتمد على النص في المطلق، بل يتدخل المخرج ومكان العرض وزمنه والممثلون الذين سيجسدون الشخصيات، ومواءمة ذلك كله مع حرارة الحضور في اللحظة التاريخية المعاصرة”.
وتبين أنها في هذه المسرحية مزجت بين عالمين متناقضين، ولعبت لعبة التمثيل داخل النص على لسان الشخصيات في مشهد استدعاء نص “أنتيجونا”. وتلفت إلى أن مسألة التحكم تتطلّب قدراً عالياً من الإحساس بكل شخصية وجملتها ومعاناتها، وأن هذا النص “يمتلك عناصر نجاحه، لأن الفكرة التي تحرك فيها كانت مختلفة ومبتكرة في آلية تقديمها واعتناقها لمفردات الموضة”.
عالجت الربيع مسألة التطور في لباس المرأة من ناحية تكوينها الفسيولوجي والفيزيقي، في مسرحيتين: “المحب والمحبوب.. مدونة عشق ديك الجن” (2008)، و”يوم الزينة” (2014).

ففي “المحب والمحبوب” بدأ ذلك التمرّد على لسان “وَرْد”، ثم أُعلن صراحةً عند جميع نساء يوم الزينة (زبيدة، ويارا، ونرجس، وهداية، والست زمردة) في هذا السؤال: كم عدد قطع الملابس التي ترتديها المرأة لتستر جسدها؟
وهي تتذكر أن الذين قرأوا المسرحية سألوا أنفسهم عن الرقم؟ وأحد الذين قاموا بتحويل الحوار إلى لهجة إحدى الشخصيات جاء وشكرها قائلاً: “أشكرك لأنك نبّهتِني إلى هذه المسألة!”.
وبحسب الربيع، إذا عدنا إلى تاريخ اللباس (لباس المرأة تحديداً) ونظرنا إلى تطوره من قطعتين إلى مرحلة النقاب أو الخمار، فينبغي أن ننتبه لوظيفة لباسها والكيفية التي بوساطتها جرى تسليع جسدها، تارة باسم العادات وتارة باسم الدين، وتارة باسم المدنية والحداثة والحرية.
وتردّ الربيع قلّة توجّه المرأة لكتابة النص المسرحي، إلى أن المسرح بدأ مدينيّاً، وظل كذلك عبر العصور الحضارية الطويلة. وهي لا تعترف بالسبب المتداوَل المتمثل في العادات والتقاليد، فـ”المرأة السعودية التي كتبت الرواية، ما كان يمنعها أن تكتب مسرحية؟”. وتضيف: “من يختار الكتابة للمسرح في وقتنا المعاصر من الكتّاب المعروفين أو الشباب، فيكتبونها من أجل المسابقات، وقد ينالها حظ النشر والعرض أو تبقى محبوسة في الأدراج، أو يتبادلها الأصدقاء كهدايا”.
“الدواعي الإنتاجية” هي السبب وراء قلّة توجّه المرأة لكتابة المسرح بحسب الربيع التي تضيف: “عندما ظهر عصر ما يسمى (زمن الرواية)، شاهدنا الجميع يتجهون إلى الرواية وعلى حساب الشعر! اليوم هناك توجه للسينما ودراما التلفزيون. وفي وقت من الأوقات أصابنا القلق من احتضان التلفزيون للمسرحيين وظل المسرح بخصائصه يستقبل الهواة ولكنه لم يعد قادراً على الصمود. هذا ليس إفلاساً للمسرح، بل الوضع الثقافي بأكمله مفلس”.
لكن في ظل التطور التكنولوجي، ما الذي ينتظره المسرح من تغيرات وتطورات وتحولات؟ هذا السؤال ترد عليه الربيع بقولها: “أخشى أنه ينتظر رصاصة الرحمة! المسرحيون العرب يعانون من تردي الحياة السياسية ومن فشل المشاريع الكبرى على مستوى القوميات ومستوى النهوض، وحتى على صعيد الحياة المجتمعية والمدنية ليس هناك بأمل كبير. كذلك مشهدنا الثقافي والفني يعاني من قلة الموارد وبدأت أفكار الفردية والاستهلاكية تعود بشراسة، مع فارق عميق أن دعاة الفردية سواء اختلفنا أو اتفقنا معهم، أمعنوا في اكتشاف الذات وسعوا إلى التصالح معها لإعلاء قيم الحرية والاستقلالية، أما ما يحدث اليوم للذات فيعتمد على الإقصاء والتهميش وتغليب المصالح الشخصية بالاعتداء على حقوق الآخرين”
ومع ذلك، فهي تتمسك برأي إيجابي مفاده: على الذين يعشقون المسرح البقاء على عشقه والاستمرارية في الدفاع عنه.
وحول تقييمها لحال المسرح في السلطنة، والتحديات التي تواجهه، توضح الربيع أن هذا المسرح في واقع الوضع العام، ما زال يعتمد على الهواة أسوة بمسارح عربية مرموقة، وأن الشباب المسرحيين المحترفين ما زال ينقصهم الاحترافية في جوانب واضحة، كالشغل على جسد الممثل، والشغل على النص.
وهي تتوقف عند مهرجان المسرح العُماني في نزوى الذي قدم تجارب جيدة، معوّلة على الفِرَق الاستمرارية في اختبار مفردات عناصر التمثيل لدى ممثليها فالمهرجان “ليس بوابة الدخول للعالمية، ولكن الشغل الجمالي للعرض ككلّ هو ما يعطي للجمالية أبعادها التثويرية، ومفتاح هذا كله بيد المخرج”.
وتعاين الربيع نقاط التقاطع والتباين بين المسرح في عُمان والمسرح الخليجي، موضحة أن المسرح العُماني جزءٌ صغير من كلٍّ كبير هو المسرح الخليجي والعربي عموماً، مع فوارق بنيوية عميقة في كل دولة على حدة. وتضيف أن النقاط تتقاطع بين المسرحين العُماني والخليجي في الارتكاز على ثيمات اجتماعية متقاربة، ووجود أساليب إخراجية ليس بينها مسافة كبيرة.
وتستعير مقولة ابن خلدون في مقدمته: “المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده”، في سياق حديثها عن الكيفية التي تتجسد بها العروض وتُقدم في المهرجانات وما بينها من تقليد.
وترى الربيع أن التباين المطلوب هو “أن يجترح المخرج المسرحي لغته الخاصة في الإخراج، وأن يترك بصمة تصبح مع الزمن علامة أو (ماركة)”، وعلى الرغم من أن هناك مخرجين متحققين في عُمان والخليج، إلّا أن الربيع تضعهم كلهم في “سلة واحدة، جنباً إلى جنب”، لأنها تجدهم “ما زالوا في منطقة المغامرة، وهذا فأل حسن، لكن كعلامة فإن الأمر ليس كما نطمح”.
وحول مشاريعها الحالية أو القادمة، توضح الربيع أنها قررت بعد صدور كتابها الأخير “الرؤية السياسية في المسرح الخليجي”، الابتعاد عن المسرح والتركيز على قراءة التجارب المسرحية الفارقة في العالم لتخرج بـ”كتابة مختلفة وبها قدر كبير من المغامرة”. وتختم حوارها بقولها: “لدي ما يكفي من الخبز لسنوات قادمة، لذا سأواصل القراءة ثم القراءة!”.

إلى الأعلى